الغوطة الشرقية: حصاد 7 سنوات من ثورتنا

يرتكب "الأسد" بدعم روسي مباشر محرقة بشرية بحق أهالي الغوطة الشرقية

مراسل سوري – عبد القادر الحمود  

كانت اعتباراً عماد الثورة بالنسبة لأهم أركان “الدولة السورية”؛ عاصمتها، كانت صاحبة الكلمة الفصل قبل أن يتسلط عليها “قادة الجهاد الشامي وشرعيوه”، قبل أن تُرتهن كلمتُها بعبارات السمع والطاعة لداعمٍ ألصق بالبندقية عجلة ووضعها على سكة ملتوية.

توصيفات عامة يستطيع أي شخص قولها، لكنّ الغوص في التفاصيل مؤلم بمدى عمق وحجم الورم الذي كان يتوجب علينا استئصاله قبل استفحاله؛ إذ يعتبرها البعض مساساً بقدسية ما وجدنا عليه آبائنا، أو تعريضا بضرب “النسيج الاجتماعي” رغم كونه مهترئا حتى قبل الثورة السورية.

“المناطقية” كانت واحدا من أخطر الأورام التي تفتك بنا كأبناء بلد اسمه “سوريا”، لم يكن ابن دوما -على سبيل المثال- ينظر إلى ابن حرستا -أو العكس- بعين الأخ؛ بل يعتبره نداّ ينتظر فرصة للتغلب عليه، في أي زاوية من زوايا سجننا الكبير الذي كنا سجّانيه على بعضنا بقدر ما كنا مسجونيه؛ كان “الأسد” يضربنا ببعضنا.

استفحل خطر المناطقية حينما صار بحوزتنا السلاح، وبات “القائد” يجمع حوله من أقرباءه الأقرب فالأقرب، لتتسع الدائرة (بالولاء) إلى نطاق ابن حارته ثم ابن بلده، ثم من إذا اشتراه ببضع دولارات أطاع كلمته، وهذا ما فعله “جيش الإسلام”؛ تماما كما فعل المقبور “حافظ الأسد”؛ نصّب أقربائه وأبناء طائفته مقاليد الحكم، واشترى ولاء أبناء الطوائف الأخرى بالمناصب الشكلية، ثم بات اسمه “القائد الأول بطل التشرينين”.

كانت المناطقية الجذر الأم الذي تفرعت عنه مصائب كان من ثمارها “لن نسمح برأسين لجسد واحد”؛ ثمرة سامة فتكت بأكثر من 1200 من أبناء الغوطة قتلوا بنيران مباشرة في اقتتال لمرتين بين أكبر فصيلين في الغوطة الشرقية، في حين كان الأسد وميليشياته يجتاحون القطاع الجنوبي، وهو الخزان الغذائي للغوطة الشرقية.

وتفرعت عن المناطقية مصيبة باردة كان من ثمارها “المزاودة”، وأن يتشدق كل فصيل -وهو محسوب على مدينته ونطاق سيطرته- بعبارة “نحن قدمنا آلاف الشهداء”، لا أعلم إن احتسب المتحدث بينهم ضحايا “اقتتال الإخوة” الذين هانت عليهم دماؤهم بعد سبع عجاف!

سبع سنوات كانت كفيلة أن تجعلنا نكفر بالمناطقية التي هي بذرة المفاهيم القهرية، ومنها إذا امتدت أغصانها لتكبر وتصير شجرة اسمها “الوطنية”؛ شجرة يحرص الأسد كإقطاعي على رعايتها وسقايتها واستخدامنا فلاحين تحت وصايته؛ شئنا أم أبينا؛ فنحن نعترف بها ونستظل بظلها ونأكل من ثمارها.. السامّة!

شخصيا لم أكن يوما بعدما كفرت بالوطنية والمناطقية أقرأ اسم “سوريا” أو دير الزور أو الغوطة الشرقية أو داريا كاسمٍ يرتبط بحدود؛ على العكس فأنا لا أفهمه سوى اسم تُعرف فيه لا أكثر؛ تماما كما أنادي أخي أو صديقي.

أصبحنا نعرف ديننا حينما نتحدث أو نكتب؛ كي نثبت للسامع والقارئ كم نملك من العلم والمعرفة، لكنه لم يجردنا مما وجدنا عليه آبائنا من الخوف من “الحيطان التي لها آذان”، ولا من “يا غريب كن أديب”، ولا من “أولئك آبائي فجئني بمثلهم”، وهي مشاكل اجتماعية لا زالت عالقة ومستفحلة فيما بيننا؛ ذلك لأننا فهمناه مزاجيا، وبذلك لن يتحقق “النصر” الذي نريد.

هل سنجرب يوما الاعتقاد بأن الوصول إلى الهدف بأن نواصل السعي إليه (بأنفسنا وبما نملك)، دون أن ننتظر عونا ممن لم يبادر بنفسه إلى ذلك، وأن تحقيقه يتطلب منا أن نكون جسدا واحدا لا يسعى أحدنا جاهدا أن يكون رأسا لهذا الجسد، بل ندفع إليه من نراه جديرا به؟ وهل سنعتبر يوما أن استراتيجية النظام على الأرض تعتمد فعليا وبشكل رئيسي على فصل المناطق “المحررة” عن بعضها؛ ليتفرّد بكل منطقة فيذل أهلها ويطردهم إلى فرن سيوقده لاحقا بمن فيه؟

نتباكى على الغوطة الشرقية وفيها من الرجال والسلاح ما هو كفيل بقلب الطاولة على الأسد وكسر أنفه، لكنني كمتابع لشأنها أكثر ما صدمني أن فصائلها لم تتحد أو على أقل تقدير لم تنشئ “غرفة عمليات مشتركة” كما درج وصفها، بل اكتفى كل فصيل بتحصين مناطق سيطرته، عوضا عن تفاهمات واتفاقات غير معلنة بين “الخندقين”، ثم نرى ميليشيات الأسد تفصل قطاعي الغوطة تماما من ذات المناطق التي فصلتها حواجز الفصائل حين اقتتلت فيما بينها، والحال ذاته يعيشه الشمال السوري؛ لكن بانتماء إلى الفصيل لا البلد!