5 سنوات من الثورة.. هذا ما حدث معي ..

مظاهرة مسائية في مدينة حرستا عام 2012

مراسل سوري – رائد الصالحاني

21-3-2011
أعود من الدوام اليومي في مشفى ” الأسد الجامعي ” بدمشق إلى مدينة ” حرستا ” التي اقطنها منذ صغري، أدخل إلى مصنع والدي لأشاهد لقطات مصورة عن أحداث دامية في درعا، من قمع للمتظاهرين بالرصاص الحي وجثث ملأت الشوارع ودماء سالت على طول الطرقات .
لم أكن على وعي كامل بحجم ما يحصل، فمستوى تفكيري في ذلك الوقت لم يكن يتعدى طيش الشباب في سنوات الجامعة، ولم أتصور أن تلك المشاهد التي رأيتها على الشاشات ستغدو واقعاً أراه بعيني في منطقتي التي اقطنها.
أعود إلى المنزل مصدوماً بما رأيته، أفتح التلفاز مجدداً، لرؤية تلك المشاهد مرة أخرى، وفي مخيلتي ألف سؤال وألف فكرة تدور عما سيحصل لاحقاً.
يمر اليوم كباقي الأيام، حتى يأتي مساء اليوم التالي، يجلس أبي على كرسيه ” الهزاز ” ناظراً إلي ولإخوتي هامساً بصوت منخفض ( أجا دوركن تطلعوا ع الشارع، يا بترجعوا منتصرين يا ملفوفين بعلم بلدكن، زمن الأسد انتهى).
لم اُدرك حينها حجم الكلام الذي يقوله أبي، وظننت أن ذلك ككلامه الاعتيادي، بسبب كرهه القديم لنظام الأسد لأسباب كنا نجهلها في ذلك الوقت .
وما هي إلا أيام حتى خرجت المظاهرة الأولى في مدينة “دوما” المجاورة، وبدأت صيحات الحرية تتعالى، ليتوافد إلى المدينة مئات الناس من مدن الغوطة الشرقية، فكانت دوما هي الانطلاقة الأولى للمظاهرات التي تناهض النظام السوري، حتى وصلت المظاهرات إلى “حرستا” فخرج العشرات بمظاهرات جابت شوارع المدينة، حملت أغصان الزيتون، ورددت هتافات تنادي بالحرية، حيث قابلها النظام السوري بالرصاص الحي أدى إلى سقوط جرحى،ومضت الأيام وأصبحنا نخرج في المظاهرات بشكل أسبوعي، ليرد علينا النظام بالقمع الهمجي، والاعتقالات التعسفية بحق المتظاهرين، إلى أن ارتقى أول شهيد في حرستا في الجمعة العظيمة بتاريخ 22-4-2011، حيث بدأ البركان في المدينة التي بدأت تتلاشى منها مظاهر التأييد للنظام السوري، والمعارضة لتلك المظاهرات الشعبية .
مرت الأيام والمظاهرات تخرج، إلى أن ارتقى الشهيد الثاني في حرستا، حيث كانت المرة الأولى التي اقوم بتصوير مظاهرة يظهر فيها ارتقاء شهيد برصاصة في الرأس، لأنضم بعدها إلى الفريق الإعلامي في المدينة، وتبدأ حكايتي مع الكاميرا التي وثقت مئات المظاهرات السلمية وعشرات الشهداء برصاص الأمن السوري .

‏14-10-2011 

في غفلة مني وأنا في أحد شوارع حرستا، أجد نفسي مقيداً ورأسي في الأرض، وأصوات العساكر تذهب عن سمعي بالتدريج ‏إلى أن فقدت الوعي نتيجة الضرب المبرح، نعم لقد تم اعتقالي من قبل قوات أمن الدولة في أحد شوارع المدينة، ووجهت إلي عدة ‏تهم كان أبرزها التواصل مع الإعلام المغرض، والمساهمة في ترويج الإرهاب الذي يضرب البلد، ولكن الحظ حالفني ‏واستطاع والدي اخراجي بعد 48 ساعة بدفع مبلغ مالي كبير لرئيس الفرع، لآخذ بعدها استراحة لمدة أسبوع استعيد بها عافيتي ‏الجسدية، حيث عدت بعدها إلى ساحات التظاهرة، وإلى صديقتي ” الكاميرا ” التي لم تفارقني يوماً .‏

30-6-2012
صادف ذلك اليوم وجودي في مدينة ” زملكا ” حيث بيت جدي، انتظر جاري لنخرج في تشييع أحد شهداء الجيش الحر، وكان قدري قد أخرني قليلاً عن حضور التشييع، ليسبقنا إلى هناك تفجير هز أركان المدينة، حيث استطاع النظام اختراق المنطقة صباح اليوم نفسه ليركن سيارة مفخخة بطريق من المفترض أن يمر به تشييع الشهيد .
عشرون ساعة مضت لم أتمكن فيها من الجلوس ولو للحظة، فمن المشافي الميدانية إلى الشوارع والمنازل، أعمل مع الفرق الميدانية لإسعاف ما يزيد عن 500 جريح، حتى انتهى الحصيلة بما يقارب 120 شهيد، وعديد من المفقودين، ومئات المشوهين والمبتورين ..

27-8-2012
نستيقظ صباحاً وأيضاً في منزل جدي على أصوات الرصاص الكثيف من جهة “جسر زملكا”، لتقرع طبول الحرب التي كانت سبب خروجنا هرباً من موت محتم نتيجة القصف، فما هي إلا ساعة واحدة من تحرير الجسر حتى بدأت القذائف المدفعية تنهال على المدينة، أركض في الشوارع لأقوم بعمليات الإخلاء والإسعاف اللازمين للمصابين والهاربين من وقع القذائف، ومضت ست ساعات إلى أن استطعنا الخروج من البلدة التي بدأت تنهار شيئاً فشيئاً، تاركين ورائنا ذكريات ومنزل عمره عشرات السنين، يحمل اسم العائلة، وصوراً لجميع الأحفاد يتوسطها صورة جدي المتوفى .
فلم ندرك حينها أننا خارجون بلا عودة، فكل الظن أنها أيام معدودة ونعود … وها نحن ننتظر إلى اليوم .

11-4-2013
في لحظة توقفت فيها الأرض عن الدوران بالنسبة للعائلة، يأتي الخبر المفجع، فقد استشهد محمد، شريكي في الثورة وأخي الذي لا يفارقني لحظة، استشهد وتوقفت الثورة بالنسبة لي، انتهى كل شيء بموته، لم تعد للثورة معنى، أو للعمل فائدة، فقد رحل الذي لم أكن يوماً اتوقع أن يقارفني للحظة، رحل قدوتي، دخلت بعدها في صدمة استمرت لأشهر، توقفت فيها عن كل شيئ، باستثناء ما يبقيني حياً من طعام وشراب………. وتمضي الأيام وأخسر كل يومٍ صديقاً وأخاً وشريكاً في الجبهات والمدن والمعتقلات ..

18-12-2014
أخرج من دمشق قاصداً تركيا ككل الشباب المعارضين المتواجدين في مناطق النظام، بعد أن استعدت تدريجياً حياتي الطبيعية، واتخذت قرار الزواج قبل السفر …
يشاء القدر أن أعود إلى الشمال السوري بعقد عمل جيد، فدخلت ريف ادلب في شباط 2015، وبقيت في مدن الشمال بين حلب وادلب قرابة سبعة أشهر، زرت فيها أماكن ومدن لم أكن أسمع باسمها، تعرفت على أناس ولهجات لم أظن يوماً أنني قد أسمعها، ومرت الأيام إلى أن ساء الوضع المعيشي في تلك القرى فقررت العودة إلى تركيا مجدداً لأكمل حياتي فيها منتظراً نهاية الشيء الذي يحصل في سوريا، والذي لم أعد قادر على تسميته اليوم ..

15-3-2016

أكتب هذه الكلمات وأعود بالذاكرة ست سنوات إلى الوراء، اختصر قدر الإمكان من الأحداث، وأكتب أبرزها، والأكثر تأثيراً بي ..
في السنة السادسة ها أنا في تركيا، والدتي في دمشق، وبقية أفراد العائلة في دول اللجوء بأوربا، نتحدث يومياً عبر وسائل التواصل الإجتماعي، حالمين بعودة قريباً تلم شملنا، وتعيد لنا ارزاقنا التي خسرناها، أعود لعيادتي، ووالدي لمصنعه، وأخي لمستودعه، وأمي لمنزلها..