400 ألف طفل سوري لاجئ في لبنان بلا تعليم ..ضياع الهوية و المستقبل

مخيمات البقاع

مراسل سوري _ لاجئون
لم يستطع لبنان استيعاب أكثر من 100 ألف تلميذ سوري في المدارس الرسمية. وبقي أكثر من 400 ألف لاجئ في عمر المدرسة، خارجها، بسبب شحّ التمويل وضعف الإمكانات، لينشأ جيل سوري جديد بلا تعليم ولا هوية.

يروي أحد المتابعين لملف اللجوء السوري، أن لا رقابة للدولة اللبنانية على أكثر من 1700 مخيم عشوائي للاجئين السوريين، منتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، ولا احد يعرف ماذا يجري في داخل هذه المخيمات، رغم متابعة مفوضية اللاجئين والجهات المانحة لأوضاعهم، وتفقدهم من جمعيات دولية وعربية ومحلية. وهو ما أكده أخيراً وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، عندما قال في مؤتمر عن اللاجئين: “إننا تجاهلنا الأمر طوال 3 أعوام حتى أصبح الورم مهدداً للحياة، وتغاضينا حتى دخل الطوفان إلى البيوت، وما زلنا حتى الآن نتناقش عن جنس الملائكة وجنس الخيم، في حين أن لبنان امتلأ بالمخيمات العشوائية التي أصبح عددها 1700 مخيم لا رقابة للدولة عليها أمنياً وصحياً واجتماعياً وتربوياً”. وسأل: “إلى متى يستطيع هذا الظهر الذي أصابته الهشاشة تحمل هذا العبء؟ نحن لسنا مستودعاً لمهجري الحروب”.
وليست المشكلة وفق المعني بملف اللاجئين، في متابعتهم صحياً واجتماعياً، انما تكمن في نشوء جيل سوري جديد بلا تعليم ولا هوية. يتحدث بناء لإحصاءات، كانت أكدتها وزارة التربية أخيراً عن وجود 500 ألف لاجئ سوري في عمر المدرسة، أي ان نحو نصف اللاجئين السوريين أو أكثر هم من الأولاد. أما اللافت فهو تأكيده أن عدد المواليد الجدد في مخيمات اللجوء العشوائية وفي المناطق التي يتوزعون فيها، أي القرى والبلدات والمدن الكبرى والضواحي، قد تخطى المئة ألف ولادة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ويفضل التحدث عن عشرات الألوف، باعتبار أنه لا يمكن اجراء إحصاء دقيق لعددهم، وأن غالبيتهم لا يسجل في الدوائر السورية، وبالتالي ليس لديهم هوية، باستثناء البعض الذي يبادر الى التسجيل في مفوضية اللاجئين. ويرى بناء على متابعاته وجولاته على المخيمات وأماكن اللاجئين، أن لا حل لهذه المشكلة التي بدأت أخطارها تنعكس على النسيج الاجتماعي اللبناني، بالرغم من أن الحكومة قررت أخيراً تقييد حركة الداخلين والخارجين عبر المعابر ومنع دخول اللاجئين.
والحديث عن 500 ألف لاجئ في عمر المدرسة ليس مفتعلاً، فقد أصبح ملفهم في عهدة مفوضية اللاجئين، بعدما تمكن لبنان عبر وزارة التربية من استيعاب 100 ألف ولد سوري في المدارس الرسمية، عبر دوام بعد الظهر، بالإضافة الى استيعابهم في مدارس جديدة، فيبقى 400 ألف خارج المدرسة، لا يمكن استيعابهم بسبب شح التمويل من الدول المانحة الى ضعف الامكانات المتاحة، علماً أن عدد الأولاد اللاجئين في عمر المدرسة هم أكثر بضعفين من عدد التلامذة اللبنانيين في المدارس الرسمية، وهم منتشرون في المخيمات، وفي بعض الشوارع، بالإضافة الى قسم من السوريين يعملون في لبنان ويتجاوز عددهم الـ400 ألف وفق احصاءات غير رسمية، يضافون الى أكثر من مليون و200 ألف لاجئ، وهم يعانون ايضاً من عدم القدرة على تعليم أولادهم. ولذا تتلقفهم جمعيات مرخصة لها، مدعومة من جهات مختلفة محلية وعربية ودولية، وأخرى وهمية دخلت على خط اللاجئين ونالت مساعدات من الجهات المانحة، وثالثة دينية تستقطب أهالي اللاجئين، تحت عنوان الدعم الاجتماعي لتخفيف المعاناة، وتتابع بعضهم عبر نشاطات وجلسات، من دون أن تساعدهم في دخول المدارس، فيتحول الجيل السوري الجديد في لبنان الى جيل مشرد لا ينتمي الى دولة ولا هوية له، وبلا تعليم، حيث تشير المعلومات الى ان نصف الاولاد السوريين الذين تستوعبهم المدارس الرسمية يتسربون منها ولا يتابعون تعليمهم بسبب صعوبات تعلمية وأخرى مادية، وثالثة ترتبط بأوضاع اجتماعية مختلفة.
ويلفت مطلعون على ملف اللجوء السوري، الى ان المشكلة ليست في لبنان وحسب، بالرغم من أنها الأكثر سخونة، اذ يستضيف لبنان العدد الأكبر من اللاجئين في المنطقة مقارنة بالأردن وتركيا، لكن مشكلة تعليم الأولاد تبقى مشتركة بين الدول الثلاث المضيفة. واذا أضيفت مشكلة اللجوء في الداخل السوري، فهذا يعني إن قسماً كبيراً من الشعب السوري بات لاجئاً، والقسم الآخر يعيش تحت نظام “داعش” الإرهابي، وجزء تحت سيطرة “النصرة”، أما الذين يعيشون تحت سيطرة النظام فإن التجنيد يأخذ الشباب للقتال حتى قبل دخولهم الجامعات، ما يعني أن الشعب السوري كله يعاني البطش والقتل والارهاب، وتحول مجتمعاً عنفياً، مع تراجع التعليم حتى في المناطق التي يسيطر عليها النظام.
هناك جيل سوري جديد أو حتى أجيال، لم تعد تعرف سوريا، لا القديمة ولا الراهنة التي يدمرها طرفا القتال. حتى إن جيلاً من السوريين لا يعرف سوريا الاستقلال وتاريخها، فكيف بالتفكك الذي اصابها اليوم، والتقاسم الذي نشهده على مستقبلها؟ لكن المحزن ما ينقله المتابع لملف اللاجئين عند زيارته أحد المخيمات، حين استمع الى حديث بين أولاد لاجئين ووالدتهم، يختصر كل معاناتهم، فسأل الولد أمه: أين تقع سوريا؟

جريدة النهار