ونامت دون لقمة الخبز…

مراسل سوري – محمد أبو كمال

“عندك خبز، وبكرى بعطيك حقو؟”.. استجداء طفلةٍ جائعة، جائت دون مالٍ باكيةً أمام الفرن تريدُ خبزاً، ربما تكون اللقمة الأرخص ثمناً رغم ندرتها في الغوطة الشرقية.

زجرها الخبّاز وكأنه أحسن حالاً منها، لا أعتقد أنه نظر إلى نفسه في المرآة منذ أيام؛ أشعث طويل الذقن، وآثار قساوة الأيام واضحة على تفاصيل وجهه.

تبقى الطفلة أمام الفرن، وترمق “التنور” بنظرات مشتاق، لا أستطيع نسيان تلك النظرات؛ فعيناها سوداوان لامعتان تلفت الأنظار وتبعث على الابتسام، انطباعٌ عن اسم هذه الطفلة؛ “بسمة”.

وعاد الخبّاز إلى طرد الفتاة من أمام المحل مرةً أُخرى، ولم تبقَ طويلا حتّى سارت بضع أمتار، وجلست على حافة الرصيف تنتظر من يعينها في شراء رغيفين من الخبز لها و لأمها.

لم تكن بجرأة الكثير من الأطفال الذين حوّلهم الجوعُ والقهر والحرمانُ إلى “متسوّلين”، تتزايد أعدادهم في كل يوم في حصار الغوطة شرقي العاصمة دمشق، لكنّ “بسمة” لم تكن متسولة، إنّما كانَ ذلك اليوم كان قاسياً جداً عليها وعلى أمها؛ أم بسمة أرملة؛ فزوجها استُشهد في إحدى غارات طيران النظام على مدن الغوطة الشرقية.

لم تحتر الفتاة كثيراً في أمرها؛ فقد بقيت جالسةً بالقرب من محل الخباز منتظرة شخصاً قد يشعر بما تقاسيه، ويقاسمها من خبزه برغيفين يسدان رمقها وأمها لعدة ساعات.

تنسى الطفلة أن الكثير ممن حولها هم في مثل حالها، ولكن يسعفهم شبابُهم ببعض العمل لتأمين بعض حاجياتهم المعيشية باهظة الثمن، وتنسى أن هذه حال آلاف السكان الذين فضّلوا الحصار على العيش في عهد الديكتاتور وكنفه، ونامت بسمةُ دون خبز..