هكذا فشل إعلام الثورة

مراسل سوري – اورينت نت 

هنادي الخطيب

تلاحق السوريين التوصيفات والأرقام، وبعد أن تحول شهداءنا إلى أرقام، هاهم يتحولون اليوم إلى ” Collateral Damage” أي إلى “ضحايا لا يمكن تجنبهم”، وكأن هؤلاء الضحايا الذين لم يستطع التحالف الدولي الحنون المحارب لداعش تجنبهم في منبج، لا أهل لهم ولا أولاد ولا أصدقاء ولا بيوت.

تتراوح أرقام شهداء منبج المدنيين وإن كنا لا نقبل اقتراف نفس جريمة الإعلام العربي والغربي بتحويلهم لأرقامهم، ولا نود الدخول في تفاصيل الخلاف ما بين المرصد السوري والوكالات العالمية وما بين كلام النشطاء، فإن الأكيد أن الشهداء تجاوز عددهم المئة وربما المئتين، ولكن سواء أكانوا شهيد واحد أم 200 شهيد فهم بالنسبة للعالم “ضحايا لا يمكن تجنبهم”، انتهى التوصيف، نقطة من أول السطر… ثم..  مؤتمر لمحاربة داعش، قوات سوريا الديموقراطية باتت ديموقراطية لأن أمريكا تريدها كذلك، وليذهب من تبقى من السوريين سواء كانوا ضحايا لم يكن من الممكن تجنبهم أم ضحايا مستقبليين سوف لن يستطيعون تجنبهم، ليذهب كل أولئك إلى المقابر فرادى وجماعة، أمريكا تريد ذلك، ونحن نفعل ما تريد أمريكا.

أمريكا نفسها التي قتلت 200 مدني في قرى منبج ولم يرف لها رمش، انتفضت من أجل الطفل الذي تم ذبحه في حلب، وإن كنا لسنا بموقع الدفاع عن الجريمة الشنيعة التي ارتكبها بضعة عناصر “داعشيين” من نور الدين زنكي، إلا أنه من حقنا أن نتساءل عن قلب أمريكا الحنون الذي أبكاه ذبح الطفل أو الشاب “لا فرق”، وليخرج المتحدث باسم خارجيتها مارك تونر غاضباً قائلاً : “نسعى للحصول على مزيد من المعلومات عن التقرير المروع”، وبالطبع التقرير هو فيديو ذبح الطفل.

ماذا فعلنا نحن؟
لبسنا الثياب التي فصلتها لنا أمريكا، وتقمصنا دورها ودور النظام، وتجاهلنا منبج، وأمسكنا برداء جريمة حلب وأشبعناها تقريع ولوم ومحاسبة، ويبدو الأمر لهذه اللحظة مقبولاً قليلاً، إذ ما من عاقل يحمل قلباً طبيعياً ينبض في صدره لا يشعر بأن ذلك القلب يكاد أن يتوقف عند مشاهدته لفيديو الذبح، وندرك أن شماعة “الخطأ الفردي” لم تعد مقنعة ولا كافية، والكلام عن أن الطفل وربما الشاب تم قتله لأنه يحارب في صفوف النظام لا تبرر بشاعة الجريمة، ولكن.. انتظروا قليلاً، ثمة 200 شخص، عائلات بأكملها تم محوها، وقتلها، وتحولت لجثث هائمة في شوارع قرى منيج، ألم يخطر ببالنا أنه في كل مرة تحدث المجزرة يتم تسريب فيديو لجريمة تتعلق بالفصائل المعارضة المسلحة؟ ألا يجدر بإعلامنا أن يتناول الموضوع بحجمه الطبيعي.

الحجم الطبيعي، جريمة بشعة تمت على يدي بعض الداعشيين “صدف أنهم ينتمون لواحدة من الكتائب المعارضة المسلحة المعتدلة”، والحجم الطبيعي لجريمة منبج، مجزرة محت أسماء عائلات، وقتلت أمهات وهي ممسكة بيد أبنائها، ودفنت آباء كانوا ينتظرون يوم زفاف أولادهم، وما بين الجريمة والمجزرة فشل إعلامنا وفشل ائتلافنا وفشل أباطير الفضائيات.

الائتلاف المعارض السوري أصدر بياناً حول جريمة حلب، وأصدر بياناً قبله حول قرى منبج، وانتهى دور الائتلاف وإعلامه، حتى أنه لم يتعلم بعد 5 سنوات من الثورة والموت استغلال أي معلومة مفيدة إعلامياً، فمرت قضية الصحافية الأمريكية التي قتلها الأسد “ماري كولفين” والقضية التي رفعتها عائلتها على النظام مرور الكرام بالنسبة لأولئك الجالسين والمتربعين على كراسي الائتلاف، ومر كلام الأسد ولامبالاته بالصحافية الأمريكية بلا أي استغلال من طرف المعارضة، فلا مؤتمرات صحفية ولا ضجة استطاع الإعلام المعارض الرسمي العاجز من العمل عليها.

من جهة أخرى، انبرى المثقفون السوريون المعارضون مراراً وتكراراً للكلام عن جريمة حلب، ولكن معظمهم لم يجد الحماس الكافي للكلام عن منبج، ولو أن الحادثتين لم تكونا في الوقت ذاته لكان ذلك مفهوماً، وربما يجدر بالمثقفين بدل الشتم والقدح والندب والتبرؤ من الثورة ورعاعها، ربما كان يجدر بهم أن ينبروا لتعليم أولئك “الرعاع” بعضاً من مكرماتهم، بدل البطولات على صفحات الفيسبوك.

لعب الفيسبوك السوري دوراً إيجابياً لا يمكن لأحد أن ينكره، ولكنه اليوم وبمساعدة بعض المثقفين، بات يلعب دوراً يكاد يكون إجرامياً، سواء في  إلهاء الناس عن متابعة الخبر أو الحدث الجوهري بأسبابه ونتائجه الحقيقية من خلال ترويج أخبار و حوادث أقل أهمية أو حتى مكذبة للخبر الحقيقي، أو بالخوف من إعلان موقف حقيقي من بعض الظواهر، هذه التقنية الإعلامية ليست أكثر من “فتيشات” لأنها مثل الألعاب النارية تصدر أصوات قوية وأضواء لكن دون أي أثر حقيقي على الأرض سوى اجتذاب عيون وآذان ومشاعر الناس باتجاه خاطئ بعيد عن الأرض التي يقفون عليها.

فخ الفيسبوك السوري أوقع العديد من وسائل الإعلام العربية والغربية فيه، سواء عن قلة انتباه أو لامهنية أو حتى عمداً، فانشغل الإعلام بتغطية جريمة حلب وتجاهل جريمة منبج، واشترك مع إعلام الأسد “الأكثر ذكاء والأكثر خبثاً” بنشر الفيديو دون أن يسأل أحد مننا نفسه عن سبب وتوقيت نشر الفيديو المتزامن مع مجزرة قرى منبج، وكل هذا والمعارضة المثقفة الرسمية من ائتلاف وهيئة تفاوض وهيئة تنسيق وكل تلك الهيئات الرسمية والغير رسمية، والثقافية والغير ثقافية، غائبة نائمة، وفي أحسن حالاتها تناقش مداخلاتها الصحفية على شاشات التلفزة، وتصفق لبعضها، وترش اللايكات المباركة هنا وهناك.

تعرض الشعب السوري منذ بدايات الثورة السورية لحرب إعلامية من قبل كل الأطراف. من قبل النظام وحلفائه ومن قبل الإعلام العربي والغربي أيضا. الإعلام هنا يشمل الإعلام التقليدي بالإضافة للتقنية الأكثر أهمية وهي الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي. ضمن هذه الحرب ظهرت وسائل كثيرة عالية الحرفية والتأثير لمحاولة صياغة الرأي العام السوري والعربي والدولي بما يخدم استراتجيات القوى المتصارعة على سوريا ابتدأت هذه الوسائل من اختراع الكلمات والعبارات مرورا بتحريف الأخبار ووصولا للحوارات السياسية المدروسة.

رابط الموضوع