مشوار في دمشق برفقة حافلة المعتقلين

خاص مراسل سوري

الزمان : 24-2-2015 – المكان : العاصمة السورية دمشق

كما هي العادة يوميا أقف على جسر ما يسمى جسر الرئيس ، والمقصود به ليس بشار إنما والده حافظ وسط الزحام الذي ازداد عاما بعد عام ، وخاصة بعد غياب الغوطة عن دمشق فأصبحت كل المحاور للشعب تجتمع حول هذا الجسر للحصول على مركبة أو سيرفيس أو تكسي، أو أي شيء من الممكن أن يوصل للمنزل أو للعمل أسرع من المشي على الأقدام الذي أختاره الكثير من الهاربين من الأنتظار على الحواجز، وليس الانتظار هو الهدف إنما تجنب تفتيش الحواجز واحتمالية الاعتقال عند المرور على عناصر تلك الحواجز الذين لم يعد الكثير منهم من أبناء جلدتي لا بل أصبح على تلك الحواجز جنسيات أخرى لبنانية أو عراقية وربما إيرانية وأفغانية متخفية بمظهر عربي .

الساعة تشير للرابعة عصرا بتوقيت دمشق خرجت من بناء جامعتي باتجاه جسر الرئيس لمحاولة الحصول على كرسي في أي وسيلة نقل ، لأصل للمنزل ربما بعد ساعة أو ساعتين. فالطريق طويل بعض الشيء وسييزده طولا تأخير الحواجز لكن بالسيارة أفضل من المشي الذي لن أتمكن منه لبعد المسافة .

على جسر الرئيس بطقس دمشق البارد هذه الأيام ،وبمنظر معتاد طوابير من البشر متجهة يمينا وشمالا، كل باتجاه سعيه للحصول على لقمة عيش هذه اللقمة التي رمت بالكثيرين على أطراف الطرقات و التي أصبحت منازل لمئات المشردين بعد قصف بيوتهم وهجرتهم منها للهروب من ذلك الموت الذي يلاحق السوريين هذه الأيام .

أخيرا عثرت على كرسي فارغ في ذلك الاختراع الجديد (( تكسي – سيرفيس )) الذي أوجده السائقين في الفترة الأخيرة لحل مشكلة الزحام الخانق في وسائل النقل المعتادة ، حيث يمكن حجز الكرسي ب200ليرة لمن لايعلمه أو غاب عن دمشق منذ سنوات.

بدأ الطريق والمسير ببطء معتاد ،لكن كنت أفضل من المئات من من لم يجدو ذلك المكان الفارغ .بالقرب من ساحة الأمويين بجوار مبنى الأركان، وأنا أخرج محفظتي لأبحث عن 200 ليرة بدون زيادة شد انتباهي مرور حافلتين بجواري ، وسيارة عندما شاهدت عيناي تلك الحافلة استيقظ لديها شعور الخوف والرهبة ، نعم أنها ذات الحافلة التي استقليتها مرة ليس بإرادتي بل مجبرة .

نعم إنها حافلة لنقل المعتقلين.، هي بذاتها ببؤس الوجه التي داخلها بنظراتهم من الثقوب الصغيرة بين القضبان للشوارع و للناس…. للسماء للحياة. تخيلت تلك الأفكار لأني عشت ذلك الشعور وركبت حافلة مشابةه لهذه الحافلة البيضاء في وقتها عندما مررت بالشوارع، كانت أحوال من أشبع من النظر للسماء والطرقات والبشر، لأني أعلم أني سأعود لذلك السواد تحت الأرض بين الجدران الضيقة وعلى أصوات التعذيب من الزنزانة الأخرى وصراخ المحقق وشتائمهم بحق المعتقلين لسحب اعترافات منهم .

حاولت على طول الطريق أن أجلب أنظارهم نحوي، لعل ابتسامة في وجههم تخفف عنهم قليلا ، وتنسيهم بعض الذي هم فيه وتعطيهم أشارة أن هناك في الخارج من يفكر بهم أيضا ليس كما يظهر لهم بزحام الطرقات وكثرت الناس فيها وعدم اكتراثهم بهم .أحدهم كان يحاول أخراج أصابعه لخارج الحافلة والأخر كان يرسم على جدار الحافلة أحدهم انتبه لنظراتي وأبتسامتي فرد بأبتسامة مشابه حاولت أن أغطي بنظراتي كل الحافلتين عندما نظرت لمقدمة أحد الحافلة وجدت فتاة محجبة بوجه شبه محروق لا أدري هل أحرقوه لها داخل زنزاتها أم ماذا ؟! كانت الدموع تغلبها والبكاء يظهر على محياها .

إلى أن وصلنا لطريق الجندي المجهول حيث افترقت حافلتهم عن طريق السيارة التي كنت أركبها واختفت نظراتهم القاتلة شيئا فشي. اختفت تلك النظرات لكنها بقيت معي هذه الحافلات والنظرات التي تحمل يوميا آلاف المعتقلين وتحمل ملايين الآهات والدموع، تحت ضربات السجان ووحشة المعتقلات وألم الغياب ووداع الذين تنتهي حياتهم بين تلك القضبان ويدفنون حيث لا يعلم أحد وتتم تسجيل اسمائهم ضمن المجهولين ،،تماما كحال الجندي المجهول الذي افترقنا عنده .تلك القبة التي بنيت تخليدا للجندي السوري المجهول الذي يستشهد ضمن الحروب ضد العدو لكن الجندي أصبح بالفعل مجهولا ليس بسبب الموت لكن بسبب أن ذلك الجندي لم يعد جندي لقتال العدو بل لقتال شعبه وتعذيب شبان وفتيات بلده .

أخيرا ودعت نظراتي نظراتهم والتفت لداخل السيارة لأجد السائق يصرخ ويعيد (( يلي مادفع يدفع … مين معو فراطة ؟! )) فجاوبته أنا معي فرد عليي بغضب وسخرية : (( لك صرلنا من أول الطريق عم نقول بدنا فراطة …هلأ حكيتي …صرلنا ساعة عم نلعي …شو هل الركاب هدول بضلو سرحانين … حسبنا الله ونعم الوكيل )) .