ماذا يريدون من جنيف 3 ..؟؟

علاء الدين الخطيب

من الواضح ماذا يريد السوريون من جنيف 3. بكل بساطة إنهاء هذه الحرب المجنونة وبناء السلام في سوريا. يريدون ليلة واحدة تمر على أطفال سوريا دون صوت الرصاص والقنابل. لكن المشكلة بالنسبة للسوريين أنهم لا يملكون أدوات تحقيق ما يريدون، هم يستطيعون لكن لا يعرفون كيف وبأي أدوات.

سؤالنا هنا ماذا تريد حكومات روسيا والولايات المتحدة أساسا وبالتالي حكومات إيران والسعودية وتركيا وبقية دول الإقليم. للإجابة على هذا السؤال نضع جوابا يشمل جميع هذه الدول: سوريا أهم قرار استراتيجي تتخذه كل هذه الدول منذ تسعينات القرن الماضي بمن فيهم الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الأهمية الكبرى لسوريا تضع مآرب هذه الدول خارج تفسيرات المؤامرة الكونية السخيفة، وتفسيرات التاريخ وصراع الطوائف والقوميات الأكثر تهافتا. فما يلي هو نقاش لما تريده هذه الدول بالإضافة للسبب الأساسي الموجود عند الجميع.

ماذا تريد روسيا:

تعاني روسيا منذ سنوات من أزمة اقتصادية كبيرة بسبب الحصار الغربي المفروض. وازدادت هذه الأزمة حدة خلال السنة الماضية بشكل كارثي بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز وانخفاض الطلب العالمي عليهما. يضاف لذلك أن ما سُمي إصلاحات بوتين بروسيا منذ 15 سنة تركزت فقط على استعادة الرأسمال من فوضى السوق الخاص أيام يلتسين إلى سيطرة وملكية الحكومة ووضع مراكز الفساد تحت الرقابة المباشرة للحكومة. فنظامه لم يسعى لإحداث تنمية مستدامة قائمة على أسس تطويرية بأسلوب الإدارة للاستفادة من الخبرة السوفيتية الهائلة في مجال الصناعة، فأصبح الاقتصاد الروسي أعرجا لا يملك سوى ساقا واحدة هي ثروة النفط والغاز. هذه الأزمة الاقتصادية بالإضافة للحملة الإعلامية ضد روسيا وصلت للشارع الروسي الذي ما زال ملتفا حول بوتين، لكنه التفاف هش قد ينهار بسرعة هائلة مع تسارع انتشار الفقر في الشارع الروسي.

فبالإضافة للدوافع الاستراتيجية لروسيا بالحفاظ على سوريا ضمن ما يُسمى الحلف الروسي الصيني الإيراني كان النظام الروسي بحاجة لضخ روح الوطنية الروسية وإضرامها من خلال حروب خارجية بدأت بأوكرانيا ولن تنته بسوريا. التدخل العسكري الروسي في سوريا يعود بأحد أهم أسبابه لمحاولة تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج.

بعد تراكم سلسلة من الأخطاء في سياسة الكرملين تجاه سوريا منذ 2011، يجد الكرملين نفسه في منتصف الطريق في سوريا: عاجز عن إنهائه كما يشتهي وبنفس الوقت أكثر إصرارا ألا يتراجع للخلف كي لا يخسر كل شيء. خسارته في سوريا خاصة مع استمرار انخفاض أسعار النفط لأجل غير مسمى، وبعد الأزمة مع تركيا، ستكون خطيرة جدا قد تؤدي لانهيار نظام بوتين بشكل كامل. خسارة روسيا في سوريا تعني ببساطة أن يحكم سوريا نظام غير حليف لروسيا ولإيران لكنه حليف للغرب ودول الخليج العربي. هم لا يملكون ديناميكية الولايات المتحدة للانتقال بسهولة من صداقة مبارك إلى صداقة مرسي ثم إلى صداقة السيسي، فهم لم يستطيعوا طوال خمس سنوات تأسيس علاقات مع بديل للنظام الأسدي في سوريا، لذلك هم مصرون على بقائه حتى لو كان بتعديل شكلي بسيط.

ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد تحقيق انتصارها كاملا في أفغانستان والعراق بتحويلهما لبؤرتي توتر مستمرتين تستنزفان جيرانهما، انتقلت الإدارة الأمريكية إلى أسلوب الحرب بالوكالة بشكل كامل في المناطق الأكثر أهمية استراتيجية بالنسبة لها وهي المنطقة الممتدة من وسط آسيا إلى الشرق الأوسط. تأتي أهمية هذه المنطقة من كونها مركز انفجاري يهدد استقرار الصين وروسيا المنافسين الأصعب والأقسى للولايات المتحدة عالميا. تكثف الصراع الدولي بين الولايات المتحدة وحلفائها مع معسكر الصين وروسيا وإيران في سوريا. ولكي تضمن الإدارة الأمريكية التحكم بالصراع عن بعد عززت أمن واستقرار حلفائها الأقرب الأردن وتركيا وحافظت على التزاماتها التاريخية اتجاه دول الخليج العربي (ما يملئ الإعلام من هلوسات حول انتقالها للحلف مع إيران لا قيمة له على أرض الواقع الدولي). وبعد أزمة أسعار النفط أصبحت الولايات المتحدة من أكبر المتحكمين بأسعار النفط خاصة وأن السعودية لا تملك خيار خفض الإنتاج لزيادة الأسعار.

الولايات المتحدة تعيش أفضل أيامها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد أزمة 2008 المالية العالمية. فهي الآن بمعايير المقارنة النسبية خلال السنوات الخمسة الماضية تحقق نموا اقتصاديا مستقرا مقارنة بكل منافسيها بمن فيهم أوروبا والصين، والمقارنة هنا ليست بمعدل النمو كرقم لكن كسلسلة زمنية. بل إن الولايات المتحدة ستكون أقل الدول تضررا من احتمالية أزمة كساد اقتصادي عالمي قادم على عكس ما حصل بأزمة 2008. لقد استطاعت بنجاح تصدير الأزمة التي خلقتها إلى الخارج.

وفي سوريا لا يوجد ما يزعج الإدارة الأمريكية استراتيجيا، فحلفائها في تركيا والسعودية وقطر يسيطرون على الوضع بشكل متوازن أمام الهجوم الروسي والإيراني. وبنفس الوقت التصعيد متحكم به من قبل الأمريكيين ويمكن لهم بأي لحظة إيقافه. إذا الإدارة الأمريكية لا تجد ربحا ذا قيمة يستدعي منها الضغط للتوصل لحل نهائي في سوريا. الصراع في سوريا يستنزف دول المنطقة الحلفاء ويبقيهم تحت جناحها، والأهم يستنزف روسيا وإيران لأجل غير مسمى. فلا أهمية كبرى عند الإدارة الأمريكية لبقاء أو ذهاب نظام بشار الأسد في سوريا سوى من الناحية الإعلامية في الداخل الأمريكي، وعلى ما يبدو أن الإدارة الديمقراطية لا تشعر أنها بحاجة لانتصار كبير أمام الجمهوريين لتحقيق الانتصار بالانتخابات القادمة، فصعود أحمق جمهوري مثل ترامب كفيل لوحده بهزيمة الجمهوريين أمام الإنجازات الاقتصادية لإدارة أوباما.

أين هي داعش من كل ذلك؟

كل الدول تدرك تماما أن داعش ستنهار تماما عندما يتم اتخاذ قرار بإيجاد حل نهائي بسوريا. وبالواقع العملي لا تشكل داعش تهديدا حقيقيا لأي حكومة متورطة في سوريا. بالعكس تماما، تمثل داعش البعبع الذي تحتاجه كل الحكومات لإحكام سيطرتها بمن فيهم الإدارة الأمريكية. أضف لذلك أن داعش قد خلصت كل هذه الدول من عدة آلاف من المقاتلين المهووسين وأحرقتهم في نيران الحرب السورية.

ماذا سيخرج من جنيف 3:

سيتم وضع إطار عام للبدء بمرحلة مفاوضات سياسية تفضي لبعض الإجراءات الشكلية بين الأطراف المتنازعة. هذا الإطار العام سيبقى كحل احتياط للجميع يتم استدعائه عندما تخرج الأمور عن السيطرة. أي أنه سيكون حقيبة إسعاف تحت الطلب. لن يتم فتح هذه الحقيبة قريبا، ولن تنقذ سوريا مما هي فيه من مأساة عند فتح هذه الحقيبة. بالواقع ستكون أدوات إسعاف للتحكم بالصراع بين هذه الدول.

رابط المقال