لعنة دم الغوطة ..

مراسل سوري _ هنادي الخطيب

لدي اعتقاد راسخ أن التاريخ سيتم تزويره وسيكتبه المنتصر، ولكن يبقى لبعض التفاصيل الصحيحة متسع، وسيرد في التاريخ السوري الجملة التالية: “اشتهرت المعارضة السورية السياسية زمن الثورة والموت بكتابة البيانات، والحرد والعجز، ومن ثم رمي تلك البيانات في أقرب سلة مهملات بعد أن تؤدي مهمتها الترويجية”.

الائتلاف السوري أصدر بيانين حول الغوطة، بذل مكتبه الإعلامي على ما يبدو جهداً ضئيلاً، فلا تغيير يذكر بطريقة التنديد، وكالبيانات السابقة أثبت المكتب الإعلامي للائتلاف أن للغة العربية الجذلة أهمية كبيرة في تدبيج العرائض والمطالب والشعارات”، فلتعلموا إذاً أن لعنة دم الغوطة، وأرواح الشهداء الذين لا يجدون من يدفنهم ستلاحق اسماءكم.

يبدو غريباً أن نتحدث الآن عن تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وتهديده بتكرار تجربة حلب في الغوطة، الغرابة تأتي من أن التذكير والتنديد وإعادة نشر التصريح، يبقى حبيساً وبلا فائدة، مع الصمت المجرم الذي يمارسه العالم، نعم.. روسيا قررت “إن تجربة حلب قابلة للتطبيق في الغوطة الشرقية”.

أمريكا مشغولة بتغريدات رئيسها الطفولية على التويتر، والرئيس ذاته لا يجد وقتاً للتأكد من استخدام بشار الأسد للكيماوي، وإنما يتابع التقارير التي ترسلها وحدات حماية الشعب الكردية الحليفة الحالية، ولا يجد ضيراً من استهداف قوات موالية للأسد ولروسيا كرمى لعيون الوحدات، وأما الغوطة وغيرها فلا وقت لها.

الرئيس الفرنسي “اللطيف” بعد أن تورط بتصريح عن الخط الأحمر والكيماوي، قرر الخروج من مأزق الدونكيشوتية التي وضع نفسه بها، فقال ببساطة “ليس لدينا أدلة على استخدام الأسد للكيماوي”.

لا تستحق ردود الفعل الدولية حيزاً من تفكير السوري، ولكن ماذا عن هؤلاء الذين يسلمون سوريا منطقة تلو الأخرى باتفاقيات رخوة وتوقيعات لا تستحق ثمن الحبر الذي تكتب به، ويخرجون علينا بعد كل طيارة يستقلونها ببيان لزياراتهم الديبلوماسية حول سوريا، من المجنون بيننا يا ترى؟ نحن الذين نسمع بمناطق خفض التصعيد، أم الموقعون أنفسهم والمتحدثون باسمنا؟

سوريا اليوم، سوريا الأمس، الغوطة اليوم، إدلب الأمس القريب، يتحرك أهلها بعد كل مجزرة بجنون، لا يصدقون ما تراه أعينهم، يبكون ويصرخون منادين الأحبة، تهرول العدسات لتوثيق لحظات الحزن الأسود والخوف اللامنتهي، تدخل صور انتشال الجثث من تحت الأنقاض إلى معارض الصور في العالم، فلا يتحرك العالم الأحمق ويستمر في مؤامرته المعلنة على سوريا، وتحتفظ سوريا بصورنا كلها لأنها تعرف أننا سنرفعها في وجه نفس العالم الأحمق يوماً لنقول له “هذا ما صنعه تجاهلكم وسياسييكم”.

الأطفال تتفحم في الغوطة، وتنتشر فيديوهات أطفال آخرين يرتجفون خوفاً وألماً من النار المتساقط من طيارات الاسد، والوصف هنا ليس اعتماداً على معلومات ميدانية اعتادت القنوات الإخبارية أن تضعها في تقرير واحد يتم بثه على شاشاتها يومياً، ببداية معروفة “ميدانيا في سوريا.. قتل… وأصيب.. في حي.. ومدينة.. وبلدة..”، وخاتمة أكثر سطحية “روسيا أنكرت والنظام لم يعترف.. الرئيس الفرنسي تراجع عن كلامه والأمريكي مشغول بالحمام”.

ما نتكلم عنه هنا هو العجز السوري القاتل، هو ما يشعر به كل سوري اليوم وقف في وجه بشار الأسد، كل سوري توقف عن سماع التقارير التي تتحدث عن الغوطة في الأخبار، لأنه أحصى هو عدد شهداءه ومصابيه وعدد الأيدي والأرجل التي بترت، السوري الذي بلل العالم الافتراضي بالدموع على الغوطة، الدموع التي تختصر عجزه، هو السوري الذي لم يعد يحتاج من أعضاء جسده إلا إلى إصبعه الوسطى التي يرفعها في وجه معارضته اللاشريفة والعالم المتحضر المتآمر.