لاجئون سوريون يروون رحلتهم مع العمل في كردستان العراق

مراسل سوري _ UNCHR

نظراً إلى شغفه باللغات، تمكن رودي من العثور على وظيفة كعامل استقبال في أحد الفنادق. وحصل نوشين على وظيفة في تحضير الفطائر. أمّا سيماف التي أُجبرت على التوقف عن متابعة دروسها في كلية الحقوق عندما فرّت عائلتها من سوريا، فتعمل في بيع مستحضرات التجميل.

انضمّ آلاف اللاجئين السوريين الفارّين من العنف في وطنهم، إلى سوق العمل في إقليم كردستان العراق. ويساهم السوريون الذي يعملون في مجالات البناء والبيع بالتجزئة والزراعة والضيافة، في اقتصاد الإقليم بفضل مهاراتهم وأخلاقياتهم في العمل وخبرتهم في مجال الطهو. ولكنّ عدداً قليلاً منهم يخطّط لبناء حياة دائمة هنا؛ ويصفون عملهم كطريقة لتلبية احتياجاتهم إلى أن يصبح الوضع آمناً للعودة إلى الوطن.

وفي العديد من الأماكن الأخرى، لا يتمتّع اللاجئون بالحقّ نفسه في العمل. وتحثّ المفوضية الحكومات على التخفيف من حدّة القيود المفروضة على العمل والتي يُمكن أن تتسبّب بالمعاناة للاجئين الذين يعيشون في المناطق الحضرية- لا سيما أولئك الذين يكافحون من أجل إعالة أسرهم بعد أن نفدت مُدخراتهم.

الفندق

لا تزال فترة ما بعد الظهر في بدايتها، ولا يزال أمام رودي البالغ من العمر 26 عاماً، بضع ساعات قبل أن يبدأ دوامه الليلي خلف مكتب الاستقبال في فندق متوسط المستوى في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق. يرتدي رودي سروال جينز رثّاً وقميصاً منقّشاً وضيّقاً. ومع أنّه لم يرتدِ الزي الرسمي بعد، إلّا أنّك ستُدرك فوراً أنّ هذا اليوم يوم عمل بالنسبة إليه؛ فقد حلق ذقنه للتو وصفّف شعره بشكل أنيق.

رودي البالغ من العمر 26 عاماً، يعمل في فندق ينزل فيه رجال الأعمال الذين يزورون أربيل. ويقول رودي الذي يجيد اللغات الإنكليزية والعربية والكردية إن الجزء الأهم من عمله هو استفادته من مهاراته اللغوية.
وبعد تخرجه من الجامعة في دمشق، عاد رودي إلى منزله في القامشلي، شمال شرق سوريا، حيث لم يتمكّن من العثور على عمل سوى في متجر للهواتف الخلوية. ومع امتداد الصراع وتزايد الظروف سوءاً، انتقل إلى إقليم كردستان العراق بحثاً عن الاستقرار والعمل، ويقول: “عشنا دون كهرباء لمدّة عامَيْن. وبعد ذلك، شعرتُ بأنّني لم أعُد أقوى على تحمّل الوضع”.

يحمل كافّة زملاء رودي في العمل الجنسية السورية ويعيش معظمهم في مقطورات مسبقة الصنع ضمن نطاق الفندق. ويقر الشبان الذين يمضون أوقاتهم معاً بين نوبات العمل، بأنّهم نادراً ما يتفاعلون مع العراقيين باستنثاء الترحيب بالنزلاء عند مكتب الاستقبال.

عندما كان رودي يذهب إلى المدرسة في دمشق، كان يمضي أيامه في الدراسة والدردشة مع أصدقائه في المقاهي حتّى وقتٍ متأخّر من الليل. ويتذكر قائلاً: “كان المكان الأجمل على الإطلاق. وكنتُ أشعر بفرح كبير حينها لأنّ جميع الناس الذين ينتمون إلى فئات مختلفة كانوا يعيشون معاً ولا يواجهون أي مشاكل وكان ذلك الأمر الأمثل لي”.

ويقول رودي بأنه، حاله حال الكثير من السوريين العاملين هنا، أتى إلى أربيل لا للفرار من العنف فحسب، بل أيضاً للمساعدة في إعالة أسرته في بلاده، حيث أدّى الصراع المميت منذ أربعة أعوام إلى إعاقة النمو الاقتصادي. ويُعتبر رودي أحد أفراد عائلته الاثني عشر القلائل الذين يكسبون دخلاً منتظماً. وقد بقي الآخرون جميعهم في سوريا. فوالداه عجوزان جداً على تحمل مشقة القيام بهذه الرحلة إلى العراق، وأشقاؤه جميعهم متزوجون ولديهم أطفال صغار، الأمر الذي يصعّب عليهم مغادرة وطنهم.

وبعد بضع ساعات، رأيت رودي يقف وراء مكتب الاستقبال في البهو الرخامي الأنيق للفندق. يرتدي الآن زيه الرسمي؛ سترة وربطة عنق، ويقول إنّه فخور بما حقّقه كلاجئ في بلد غريب. وعن وظيفته كعامل استقبال، يقول رودي: “هذا العمل هو الأفضل. وقد حصلتُ عليه بفضل إجادتي اللغات”. ولكنّه يعترف بأنّ هذه الوظيفة هي حلّ وسط اعتمده، ويقول: “هذه ليست الفرصة التي حلمتُ بها. أنا أعمل فقط لكي لا أبقى عاطلاً عن العمل”.

ويحلم رودي بأنّ يصبح مُدرّس لغة إنكليزية في مدرسة ثانوية وأن يستفيد من شهادته في الأدب الإنكليزي. ويقول مُشيراً إلى شهادته الجامعية: “أصبحت شهادتي قطعة من الورق معلّقة على الحائط”. وهو ينتطر ليرى كيف ستسير الأمور في سوريا. وقال وهو يضحك ويهزّ برأسه: “كنتُ أتحدّث إلى صديقٍ لي بهذا الشأن أمس، وتساءلت: كيف وصلتُ إلى هنا؟ بصراحة، الأمر بمثابة حلم بالنسبة إليّ.”

سوق الخضار

عمل روناك البالغ من العمر 29 عاماً كنجار في القامشلي حتّى اعتقاله عام 2012 بسبب افتقاره إلى الأوراق الثبوتية المناسبة. وبعد الإفراج عنه، شعر بالخوف على سلامته ففرّ سريعاً إلى العراق. وبما أنّه لم يتمكّن من العثور على عمل له كنجار، عمل بدايةً في عدّة مواقع بناء في أربيل قبل الانتقال إلى السليمانية حيث عثر على عمل في سوق لبيع الخضار بالجملة.

ينتظر روناك الشاحنة التي يعمل على متنها لتتوقف أمام متجر بائع الطماطم، ويقول: الوضع أفضل بكثير مما كان عليه في سوريا؛ فلدينا الكثير من الفرص.
ويعمل روناك مع صهره معاذ البالغ من العمر 22 عاماً، في تعبئة الشاحنات وإفراغها لـ10 ساعات يومياً ولستة أيام في الأسبوع. ويقول بينما ينتظر توقّف الشاحنة التي يعمل على متنها أمام متجر بيع الطماطم: “الحمد لله إن العمل جيد هنا والوضع أفضل بكثير مما كان عليه في سوريا؛ فلدينا الكثير من الفرص”.

ويكسب روناك حوالي 100 دولار أميركي أسبوعياً ويعيل زوجته وابنتَيْه. ولكنّ هذا العمل يعتبر موسمياً. ويقول مبتسماً: “آمل أن أتمكّن من الاحتفاظ بهذه الوظيفة ولكن العمل يصبح ضئيلاً في فصل الشتاء وقد أحتاج إلى البحث عن وظيفةٍ أخرى”.

متجر مستحضرات التجميل

كانت سيماف البالغة من العمر 22 عاماً، تدرس الحقوق في القامشلي عندما أجبرت أعمال العنف في سوريا عائلتها على الفرار إلى إقليم كردستان العراق في فبراير/شباط 2015. تعمل الآن في متجر لبيع مستحضرات التجميل في أحد مراكز التسوّق الراقية في أربيل. وعندما سُئلت عن مدى تكيفها مع الثقافة العراقية، وقالت: “في البداية، كان الأمر صعباً. فاللغة هنا تختلف قليلاً عن اللغة الكردية التي نتكلّمها في سوريا وحتّى نمط الحياة بدا جديداً بالنسبة إليّ.”

تتجوّل سيماف بلباقة مع الزبائن في المتجر وتُشير إلى المستحضرات الجديدة التي وصلت خصّيصاً لفصل الصيف، ولكنّها في قرارة نفسها تعترف بأنّها كانت تحلم بحياة أخرى في بلادها، تختلف عن الوضع الذي تعيشه اليوم. وتقول:”أشعر وكأنّ حياتي توقّفت عند هذه المرحلة. فكلّ ما أفعله هو العمل لمدّة ثماني ساعات يومياً ومن ثمّ العودة إلى المنزل”. في سوريا، عاشت سيماف حياةً زاخرةً بالدراسة واللقاءات العائلية والأمسيات مع الأصدقاء.

كانت سيماف البالغة من العمر 22 عاماً، تدرس الحقوق في القامشلي عندما أجبرت أعمال العنف في سوريا عائلتها على الفرار إلى العراق. تعمل الآن في متجر لبيع مستحضرات التجميل في أحد مراكز التسوّق الراقية في أربيل.
كانت سيماف البالغة من العمر 22 عاماً، تدرس الحقوق في القامشلي عندما أجبرت أعمال العنف في سوريا عائلتها على الفرار إلى العراق. تعمل الآن في متجر لبيع مستحضرات التجميل في أحد مراكز التسوّق الراقية في أربيل.

لم تعمل سيماف قط في مجال البيع بالتجزئة قبل القدوم إلى العراق. وتقول مبتسمة: “لم أتصور أنني قد أبيع مستحضرات التجميل في يوم من الأيام. ولكنّني تمكّنت هنا سريعاً من تكوين صورة واضحة عنها. فعندما يصبح المرء لاجئاً، لا يمكنه الاعتماد سوى على نفسه”.

وعلى الرغم من طول ساعات العمل وانخفاض الأجر، تقول سيماف إنّها تحمد الله على هذا العمل لأنّه يشكل فرصة لها لملء وقتها بينما تنتظر تحسّن الوضع في سوريا. وتقول: “كل ما انتظره هو أن أصبح قادرةً على إنهاء دارستي. أقسم أنّني حتى لو اضطررت إلى العمل لمدّة 10 أعوام هنا، سأحصل على شهادةٍ في الحقوق.”

مشروع الكهرباء

بالقرب من شارع مزدحم في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، يحفر فريق من العمّال- الذين يحملون جميعهم تقريباً الجنسية السورية- خنادق لمدّ كابلات الإنترنت الخاصّة بإحدى شركات الاتصالات. يعمل علي البالغ من العمر 17 عاماً، والذي يرتدي وشاحاً ملوناً تحت سترته الصفراء، على قصّ الأنابيب البلاستيكية بتأنٍّ ويبسط التراب فوق الخطوط الموضوعة حديثاً. يعمل من الساعة السادسة صباحاً وحتّى السادسة مساءً، ويكسب حوالي 600 دولار أميركي في الشهر. وبعد الفرار من محافظة الحسكة إلى إقليم كردستان العراق منذ ثمانية أشهر، أمضى علي شهرَيْن في البحث عن عمل قبل أن يعثر على هذه الوظيفة في مجال البناء. أما في سوريا، فقد كان يعمل في الزراعة. ويقول بينما يقف على جانب أحد الشوارع المزدحمة القريبة من مطار أربيل: “أنا أفضّل عملي في الزراعة. فهو يوفّر لك الكثير من المساحات والهواء النظيف ولا تُضطّر إلى تحمّل كلّ هذه الضوضاء”.

ويقول علي إنّ إحدى مزايا العمل في البناء هو أنّه يترافق مع توفير السكن للعمال، الأمر الذي يسمح له بادخار بعض المال الإضافي، فهو يقيم مع عاملَين آخرَين في إحدى المقطورات بجانب مقر الشركة في منطقة أخرى. ويقول: “نحن نقوم بهذا العمل لأنّنا نحتاج إلى المال”. وكالعديد من العاملين السوريين هناك، يعيل أسرته المتواجدة في سوريا.

محلّ بيع الفطائر

في محلّ سوري لبيع الفطائر في السليمانية، يعمل نوشين البالغ من العمر 27 عاماً، بجدّ في تحضير سندويشات شاورما الدجاج واللحم بينما يصطف الزبائن على الرصيف في ساعة الذروة في وقت الغداء. ويعيش نوشين الآتي من القامشلي حالياً في مخيم عربت للاجئين. يستقل الحافلة كلّ صباح متوجهاً إلى المدينة في رحلة تستغرق 40 دقيقةً ويعود بالطريقة نفسها في المساء. ويقول إنّه لولا المبلغ الذي يكسبه هنا، والذي يساوي حوالي 400 دولار أميركي في الشهر، لمَا استطاع إعالة زوجته وطفلَيْه. ويقول نوشين: “يحترم العراقيون مهاراتنا في الطهو. وعندما يرى الناس سوريين يعملون هنا، يعلمون أنّ الطعام سيكون مختلفاً وجيداً”.

فرّ نوشين من سوريا منذ عامَيْن. ويقول أنه، في تلك الفترة، لم يكن ثمة أي مطعم سوري في السليمانية؛ ثاني أكبر مدينة في إقليم كردستان العراق والعاصمة الثقافية للإقليم، كما أن المواد السورية لم تكن متوفرةً في المتاجر المحلية. ولكن في الفترة الأخيرة، انتشرت في وسط المدينة المطاعم ومحال بيع الفطائر السورية التي تشتهر بمكوناتها الطازجة وتوابلها غير المألوفة وجودة خدماتها. وقد اعتمدت بعض المطاعم أسماء سورية بصرف النظر عن الطعام الذي تقدّمه، على أمل جذب المزيد من الزبائن.

حوري (يسار) وزميله يتناولان سندويشات الدجاج التي أعدها طهاة سوريون في السليمانية. يأتي هذا العراقيان وهما من محبي الأطعة السورية إلى هنا أربع مرات في الأسبوع.©
حوري (يسار) وزميله يتناولان سندويشات الدجاج التي أعدها طهاة سوريون في السليمانية. يأتي هذا العراقيان وهما من محبي الأطعة السورية إلى هنا أربع مرات في الأسبوع.

ويقول نصر البالغ من العمر 35 عاماً، إنّه يفضّل افتتاح محله الخاص لبيع السندويشات. ولكنّه يحمد الله حالياً لعثوره على وظيفة في هذا المطعم الذي يملكه شخص عراقي لأنّ هذا العمل يساعده على إعالة أطفاله الثلاثة وزوجته الحامل. ويقول: “بصراحة، لا يكاد يصل اليوم الخامس عشر من الشهر حتّى يكون راتبي قد نفد”. وبالتالي يُضطّر نصر إلى الاقتراض من أصدقائه وعائلته لتدبر أموره، أي أنّه يبقى مديوناً على الدوام على الرغم من عمله بدوام كامل. يعيش خارج المدينة في مخيم عربت، حيث يحصل على بعض الطعام وعلى مأوى بدون إيجار، إلا أن نصر يقول أنّه يحتاج إلى الدخل لتغطية “النفقات الإضافية” كالملابس لعائلته واللوازم المدرسية والوجبات الخفيفة لأطفاله والكماليات البسيطة كالمدفأة لأشهر الشتاء