قرارات تضاعف بؤس اللاجئين السوريين و تضعهم خارج القانون

مراسل سوري _ الحياة _ هنادي الخطيب
كثر استخدام الأرقام والنسب المئوية للتعبير عن اللاجئين السوريين في لبنان، وفي القول بوجود «5000 موقوف سوري في السجون اللبنانية» مبالغة، وأن يتم اختصار الرقم إلى 500 مبالغة اخرى. العالم كله يدرك أن لبنان يتحمل ما يفوق طاقته بأضعاف، ووقوف هذا العالم عاجزاً أمام ما يحدث هو أمر يجب أن يؤخذ بالحسبان، خصوصاً مع وصول عدد السوريين في لبنان الى حدود المليون ونصف المليون في بلد تعداد سكانه 4 ملايين، أي ما يزيد على ربع عدد السكان.

موقوفون أم معتقلون؟
قال نديم حوري نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومان رايتس ووتش»: أن المنظمة لا تملك أرقاماً مؤكدة عن عدد الموقوفين السوريين في لبنان وأشار إلى أنه يعتقد أن رقم 5000 هو رقم كبير وأن أعداد المساجين في لبنان في شكل عام هو حوالى الـ7000، ويشمل ذلك السوريين واللبنانيين والأجانب بالطبع.
وقال المحـــامي اللبناني نبيل الحلبي مديـر مؤسسة «لايف» من جهته، إن ثمة 5000 سوري اليوم يقبعون في السجون اللبنانية، لكن العمـــيد نبيل حنون من الأمن العام اللبناني نفـــى الرــقم في شكل قطعي، ورفض إطلاق اسم معتقلين أو حتى موقـــوفين، وقال إن الأمن العام اللبناني لديه مراكز احتجاز موقت لمن يخالف القوانين (حكم قضائي أو مخالفة إقامة)، وأكد أن عدد الموجودين في مراكز الاحتجاز لا يتجاوز الـ500 شخص (من جميع الجنسيات).

لا تسجيل في المفوضية
عُلّق التسجيل في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «UNHCR» اعتباراً من 5 أيار 2015، وحتى إشعار آخر، ويأتي ذلك بعد تعليمات أصدرتها الحكومة اللبنانية وأبلغت المفوضية بها، وبالطبع فإنه لا يوجد اتفاق خطي موقع بين الحكومة اللبنانية والمفوضية، ولا يوجد أي بروتوكول بينهما ذلك أن لبنان لم يوقع على معاهدة جنيف 1951 للاجئين، ما يعني أن المفوضية غير قادرة على فرض أي إجراء على الحكومة، وأما الأوراق التي تمنحها للاجئين فإنها تؤمن للاجئ معونة مالية بالاضافة إلى بعض المساعدات العينية.
في بداية العام الحالي أصدرت الحكومة اللبنانية جملة من القرارات لتنظيم دخول السوريين، من أهمها إيجاد كفيل لبناني، أو إبراز عقد إيجار منزل، وبحسب تصريح وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق للصحافة اللبنانية حينها «لا شيء جديداً، وكل ما في الأمر أن الأمن العام يطبّق قرار الحكومة بمنع النزوح … لم نعد نستطيع استيعاب لاجئين جدد».
يقول المحامي الحلبي أنه يتم تطبيق الشـروط الجــــديدة على اللاجئين المقيمين فــــي لبنان وهـــو ما أكده سوريون التقيناهم وتواصلنا معهم، وتابع الحلبي «رغم أن وزير الشؤون الاجتماعية قال عند صدور القرار أنه لن يتم تطبيقه على اللاجئين المقيمين في لبنان وإنما فقط على الوافدين الجدد، ولكن ما يحدث هو عكس ذلك، إذ إن الأمن العام يطبق على المـــوجودين في لبنــان الشروط نفسها من أجل تسوية إقامتهم، والحصول على عقد إيجار هو أمر أقرب للمستحيل لأن 90 في المئة من أولئك اللاجئيــــن في وضع مادي ســـيء جداً، وأما الحصول على كفيل لبناني فهـــو أيضاً أمر صعب، خصوصاً أن ذلك بدأ يأخذ شكل التجارة أيضاً، وبعض البلديات ترفض تصديق أي عقد إيجار لسوري».
ويتفق حوري ببعض التفاصيل مع الحلبي، فيـــقول إن الاعتـــقالات زادت مؤخراً، وتمـــت في الفترة الأخيرة مداهمات عدة من قبـل الجيش اللبناني في البقاع على خلفية الإقامات، وعن صعوبة تجديد الاقامة قال حوري إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في بداية العام الجاري جعلت من تجديد أو استخراج اقامة للسوريين أمراً صعباً، وأن هذه الإجراءات تأتي تحت تسمية «إجراءات مشددة»، وأشار حوري إلى أن «هيومن رايتس ووتش» وثقت انتهاكات جرت أثناء المداهمات لتجمعات سوريين، وانتهاكات أخرى أثناء التحقيقات، وخصوصاً بعد أحداث آب الماضي في عرسال عندما خطف مسلحون سوريون عناصر من الجيش وقوى الامن اللبنانية.
وما تكلم عنه حوري والحلبي نفاه العميد حنون جملة وتفصيلاً، وقال إنه لا إساءات «بالمطلق» للسوريين أثناء تجديد الإقامات، وإن كل من تتوافر لديه شروط تجديد الاقامة يمكنه أن يعمل على تجديدها، وأكد أن كل ما يحدث لا يتجاوز مشكلة الازدحام أمام مراكز الأمن العام، ما دعا الأمن العام للبدء بافتتاح مراكز خاصة للسوريين لتمديد الإقامة.
أسوأ ما يمكــن أن يحصل مع السوري في لبنان هو تسليمه للنظام، ومـــن الأشخاص الذيــــن يعتقد الحلبي أنه تم ترحيلهم إلى سورية محمود حمدان وأسامة قرقوز، وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أصــــدرت بيانين بتاريخ 7 شباط قالت فيهما إن الحكومة اللبنانية قامت في 28 أيلـــول عام 2011 بإعـــادة المواطن السوري محمود عبدالرحمن حمدان إلى بلاده قسراً على رغم مخاوفه من التعرض إلـــى التعذيب على يد السلطات السورية وطالبـــت بمعرفة مصيره، وطالبت بالكشف عن مكـــان وجود اثنين من الرعايا السوريين اللــذين اختفيا بعد إحالتهما إلى الامن العام، أحدهما في تشرين الأول 2014 والآخر في تشرين الثـــاني، وهما أسامة قرقوز وباسل حيدر»، وقالت «رايتس ووتش» إن «إخفاء مصير أو مكان وجود الرجلين يمكن أن يرقى إلى جريمة الإخفاء القسري».
يذكر أن «هيومن رايتس ووتش» قالت إنه تم تسليم 46 فلسطينياً سورياً للنظام السوري العام الفائت، وذلك عبر ترحيلهم قسراً إلى سورية.
الحكومة اللبنانية بدأت تضيق على المنظمات الأجنبية التي تعمل في الإغاثة مع السوريين اللاجئين في لبنان، والتي بعضها بدأ يسأم من المضايقات ويخطط فعلياً للخروج من لبنان، وهذا ما أكده الحلبي، وضرب مثالاً على ذلك إغلاق منطقة عرسال تماماً سواء أمام المنظمات الإنسانية أم أمام الصحافيين.
وأما محاولة السوريين مساعدة بعضهم عبر تحويل أموال للموجودين داخل لبنان، فإن المصارف اللبنانية أوقفت كل أنواع الدعم هذه، بعدم قبولها لأي تحويل مالي من سوريين إلى سوريين.
تجارب وشهادات
الشاب «خ.ع.» اختبر تجربة الاعتقال، في سورية أولاً ثم لبنان، ويقول: «ما يحدث هنا يبدأ بجلسات تحقيق في أفرع عدة وصولاً إلى فرع الامن العام طبعاً مروراً بفرع مخابرات الجيش اللبناني، وأما أسلوب التحقيق معي فهو لم يختلف كثيراً عن أسلوب النظام السوري، ولكن مع فارق أن مرونة واستجابة المعتقل في لبنان أكبر بكثير منها في سورية».
يتابع «ج.ع.» بـــعد انقـــضاء مدة الحكم تم تحــــويلي إلى المديرية العامة للأمن العام في بيروت حيث يتم احتجاز الموقوفين في السجن الموجود تحت جسر العدلية في وسط بيروت، ليعاد التحقيق معي ومن بعدها حالفني الحظ وخرجت بعد حوالى الـ3 أشهر من التحقيق والتنقل». وأضاف: «خرجت وبيدي ورقة خضراء تتراوح صـــلاحيتها بين أسبوع وعشرة أيام ويجب علـــي قُبيل انتهاء هذه المدة مراجعة سجن المـــديرية العامة للأمن العام تحت الجسر ليتم التمديد لي في حال لم تنتهِ معالجة ملفي الشخصي لدى الأمن العام».
وتمت معالجة وضعه بالطريقة المجانية ذلك أنه لم يكن يملك مبلغ 600 دولار لدفعها للصندوق المالي للسجن، وأما الطريقة المجانية فهي استلامه»البطاقة الحمراء»، المسماة «أمر مغادرة» بالإضافة إلى «منع دخول» مصحوبةً بالأوراق الثبوتية الشخصية، مع مدة لا تزيد على الأسبوع لمغادرة الأراضي اللبنانية، ويقول: «اليوم أنا أكاد أنهي السنة الكاملة مخالفاً في لبنان، وأي حاجز يمكن أن يعتقلني فور طلبه أوراقي… أنا أكاد لا أخرج من المنزل إلا للأمور الضرورية، كما أنني أخبرت أصدقائي وعائلتي أنه في حال غبت أياماً عدة عن التواصل معهم فهذا يعني أنه تم تسليمي للنظام، والحمد لله إلى الآن أنا في لبنان ولم أصبح في أراضي النظام السوري».

يحدث أمام الأمن العام
لا يحظى اللاجــئ بأي من حقوق اللاجئين المنصوص عليــــها دولياً وعالمياً، ويهــــرب من الاعتقـــال بالاعتكاف في المنزل، ويبقى مخالفاً لقانون الدولة مجبراً، وبما أنه ممنوع من العمل فإنه يضطر للعمل في شكل مخالف للقانون ليسد رمق عائلته، ولتصبح حياته عبارة عن مجموعة تعقيدات ومشاكل وخوف وفقر وذكريات للموت.