عمليات بيع للنفط بين الميليشيات الكردية والنظام السوري

وصول صهاريج النفط الخام إلى مدينة جرابلس (المدن)

مراسل سوري 

كشفت مصادر خاصة لـ”المدن”، من مديرية حقول رميلان في الحسكة، أن فرق الصيانة التابعة للنظام بدأت أعمال صيانة خط الأنابيب الواصل بين مركز تجميع النفط الخام في منطقة تل عدس شمال شرقي الحسكة وبين مصفاة حمص، وذلك بعد اتفاق مع سلطات ما يسمى “الإدارة الذاتية” التابعة لحزب “الاتحاد الديموقراطي”.

وكانت وكالة “أكي الإيطالية” قد أشارت إلى أن اتفاقاً تم توقيعه بين ممثلين عن حكومة نظام الأسد و”الإدارة الذاتية”، قضت بتسلّم النظام ثلاث دوائر رسمية من مديرية حقول رميلان؛ دوائر عقود الخدمة والمشتريات والمالية.

ويأتي إصلاح الانابيب النفطية تمهيداً لإعادة تشغيل جميع آبار النفط في حقول رميلان وكراتشوك والجبسة، ونقل النفط إلى مصافي النظام في حمص وبانياس. وأوضح مصدر “المدن” أن هذه المرحلة قد تأخذ وقتاً طويلاً يمتد لسنتين أو أكثر، لذلك جاء الاتفاق على أن يقوم رجل الأعمال المُقرّب من النظام حسام القاطرجي، بدور وسيط لنقل النفط الخام من الحسكة إلى الساحل السوري ومحافظة حمص، بواسطة الصهاريج، سالكاً الطريق البري الجديد الذي تم تأمينه بين الحسكة والداخل السوري، مروراً بمدينة منبج في ريف حلب الشرقي.

ويعمل القاطرجي، على ما يبدو، وسيطاً تجارياً بين النظام و”الإدارة الذاتية”، في شكل مشابه لما كان يفعله رجل الأعمال جورج حسواني، الوسيط السابق بين النظام وتنظيم “الدولة الإسلامية” لتصدير النفط إلى إحدى الشركات الروسية، والذي طالته العقوبات الدولية.

وتم تحويل مركز الثروة الحيوانية بالقرب من مدخل مدينة القامشلي الجنوبي، إلى جانب مقر “الفوج 46 قوات خاصة” التابع للنظام، كمركز رئيسٍ لتجمع شاحنات القاطرجي، إذ تتم تعبئة هذه الصهاريج من مركز تل عدس قرب مدينة رميلان. وأكد سكان محليون لـ”المدن”، أن القاطرجي قام بتحويل عشرات الشاحنات التي كانت تنقل الحبوب من الحسكة إلى صهاريج كبيرة لنقل مادة النفط الخام، وتتم العملية بمساعدة من وكيل القاطرجي المنحدر من بلدة القحطانية؛ أحمد الرحيل.

من جهة ثانية، تمكنت “المدن” من الاطلاع على صور خاصة تثبت وصول صهاريج النفط الخام إلى مدينة جرابلس الخاضعة لسيطرة فصائل “درع الفرات” المدعومة من تركيا، إذ تصل هذه الصهاريج بتسهيل من قبل وسيط يُدعى “الحجي”، يتعامل مع القاطرجي، ويأخذ حصة من الصهاريج التي تنطلق من تل عدس في الحسكة ليذهب بها إلى ريف جرابلس حيث تنتشر الحراقات المحلية لتصفية النفط الخام وتحويله لمواد وقود يباع في ريف حلب الشمالي بشكل علني.

وتأتي هذه التطورات بعدما كان انتاج النفط يتم بشكل محلي من قبل سلطات “الإدارة الذاتية” التي كانت تسيطر على حقول رميلان، بعد انسحاب النظام منها في العام 2013. وكان النفط ينتج بكميات قليلة لتغطية حاجة محافظة الحسكة من المحروقات وتتم تصفيته عبر حراقات بدائية تتبع لـ”الإدارة الذاتية”. حينها تسربت أخبار عن اتفاق بين النظام و”الاتحاد الديموقراطي” على تولي حراسة الحقول مقابل مبلغ مالي يتم تسليمه شهرياً وكانت مصادر من حقول رميلان، قد أكدت لـ”المدن”، أن “الإدارة الذاتية” تسلمت إدارة حقول رميلان بموجب عقد حماية أمنية وقعته مع النظام، وجرى تعديله مؤخراً بحيث تأخذ “الإدارة الذاتية” 20 في المئة من إيرادات النفط، وتأخذ “قوات الصناديد” التابعة لزعيم عشيرة شمر حميدي الدهام الجربا 10 في المئة، في حين تذهب نسبة 5 في المئة إلى “قوات السوتورو” الخاصة بالمقاتلين السريان. ويستأثر النظام بـ65 بالمئة من هذه الإيرادات. وهذا الاتفاق يتضمن الإبقاء على معظم الكوادر الفنية التابعة للنظام مع اشراف فني كامل من قبل مديرية حقول رميلان.

ولا تبدو هذه الاتفاقيات مستغربة، بحسب عضو “التجمع الوطني لقوى الثورة في الحسكة” فواز المفلح، الذي قال لـ”المدن”، إن ورقة النفط والغاز التي يملكها حزب “الاتّحاد الديموقراطي” في حقول الحسكة ميلان والجبسة، تشكّل قوة يستطيع من خلالها الضغط على النظام، لتقديم تنازلات كبيرة، باعتبار أنّ النظام فقد ثلثي انتاجه من النفط في حقول ديرالزور التي تسيطر عليها “الدولة الإسلامية”، خاصة أنّ شراكة سياسية تجمع بين “الاتحاد” والنظام، منذ بداية الثورة، وسط تقديم النظام دعماً لوجستياً لمليشيات “وحدات الحماية” مقابل حماية أركانه في الحسكة، ومن بينها عقود حماية آبار نفط رميلان منذ بداية عام 2013. هذا ما جعل الشراكة الاقتصادية والسياسية تتطور بين الطرفين ضمن مقتضيات الحاجة في هذه المرحلة بالذات.

أحد مهندسي النفط في حقول رميلان، قال لـ”المدن”، إن عملية تهريب سرية للنفط تشرف عليها “الإدارة الذاتية”، عبر أنبوب قديم كان يصل مصفاة عين زاله العراقية، إلى محطة السويدية الرابعة. وكانت مهمة ذلك الأنبوب هي نقل النفط خلال فترة الحصار الدولي على نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلى سوريا ليقوم النظام ببيعه مقابل حصة مئوية. ولكن “الإدارة الذاتية” قامت قبل أكثر من عام، بإعادة تشغيل هذا الخط بشكل عكسي، بالتواطؤ مع  مسؤولين في الحكومة العراقية، ليتم نقل النفط السوري من محطة السويدية الرابعة إلى مصفاة عين زاله التي تسيطر عليها حالياً قوات البيشمركة التابعة لسلطات إقليم كردستان العراق. وتتم هذه العملية بالاتفاق بين النظام و”الإدارة الذاتية” ومسؤولين من الحكومة العراقية مقابل تقاسم للحصص.

وقد استطاعت “المدن” الحصول على وثائق تثبت تواطؤ النظام مع “الإدارة الذاتية” في عمليات تهريب النفط السوري إلى العراق. الوثيقة الرئيسية هي رسالة موجهة إلى “إدارة المخابرات العامة” التابعة للنظام، تقول إن “وحدات حماية الشعب” خالفت الكمية المتفق عليها لإدخالها إلى العراق ولجأت إلى سرقة كميات إضافية.

التصرف بالنفط السوري في محافظة الحسكة، بهذه الطريقة، يُعتبر مخالفاً للقانون السوري، بوصف النفط “ثروة وطنية” لا يجوز لأي طرف التصرف بها. المحامي السوري رديف مصطفى، قال لـ”المدن”، إن “هذه العملية كانت تتم منذ فترة ليست بالقصيرة، وتتم بالتعاون بين النظام و”الإدارة الذاتية” وتنظيم “داعش”، إذ تعد هذه العملية جريمة وطنية بما تتضمنه من نهب للثروة الوطنية وتصرف من دون وجه حق بالمال العام، من قبل أطراف تستخدم إيرادات النفط لشراء السلاح وقتل الشعب السوري. مصطفى أشار إلى وجوب أن تخضع تلك الأطراف مستقبلاً لمحاكمات وطنية عادلة، فهذه جريمة تضاف إلى جرائم النظام الاقتصادية السابقة، المتمثلة باستثمار الثروة النفطية الوطنية لصالح عائلة الأسد من دون إدخالها في الميزانية العامة للدولة، على مر 40 عاماً.

  المصدر :جريدة المدن