ضياع البوصلة السورية

مراسل سوري – حمزة الحريري

لم يعد الأمر مجرد إشاعات , ولم أستبعد الأمر حينها صراحةً , فمنذ أسبوعين تقريباً , ويخرج بين الحين والآخر قائمة بأسماء مقاتلين سوريين قتلوا في المعارك الليبية .

بالأمس قائمة بعدد من القتلى , وقبلها بيومين قائمة أخرى , وقبل ذلك فيديو لدفن قتيل ” قاصر ” لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره , مسقط رأسه في رأس العين السورية وينتمي لفصيل معارض شمال حلب , ولكنه قتل على أطراف طرابلس في ليبيا .

الملفت للانتباه أيضا أثناء تشييعه , هي هتافات المشيعين التي صدحت ” الشهيد حبيب الله ” , فالشهيد كما نعرف هو من دافع عن أرضه وعرضه ودينه ووطنه , هذا ما نعرفه , إلا إذا كان هناك تعريف آخر للشهيد في قاموس من جنده وغسل دماغه ودماغ مُشيعيه وأقنعهم بأحقية القتال في ليبيا , ومع كل أسفي على هذه الأرواح السورية الشابة التي تسفك لأجل مصالح الدول ومصالح حزبية .

وبالأمس القريب , صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أحد لقاءاته التلفزيونية , أن الحكومة التركية لن ترسل كتيبة تركية إلى ليبيا , بل سترسل جنودا ليسوا أتراك سيقومون بالمهام القتالية هناك , لم يذكر صراحة ما جنسية هؤلاء المقاتلين , ولكن المشهد بات واضحاً وخاصةً أن بلاده لا تسيطر على عشرات آلاف المقاتلين الأجانب إلا في سوريا , ولا يوجد معارضة ضائعة مشتتة إلا في سوريا , ولا يوجد هذه الأيام دم لا يُبكى عليه إلا في سوريا , وبات واضحاً أكثر مع وصول جثامين سورية للأسف .

وبعيدا هذه المرة عن الروتين المعتاد في انتقاد الدول وتلاعبها بدماء الشعوب , فالدول ليست جميعات خيرية تقدم خدماتها بالمجان , كما تظنها المعارضة السورية على وجه التحديد , الدول لها مصالحها التي تبحث عنها ولا تهمها مصالح الشعوب الاخرى , مهما ادعت ذلك وأطلقت التصريحات والشعارات الرنانة , التي اعتدنا عليها مع دخولنا السنة التاسعة من الثورة .

ولكن أين هي مصالح الشعب السوري التي تبحث عنها المعارضة السورية بشقيها العسكري المجلجل بالأسلحة , وشقيها السياسي المجلجل بالمؤتمرات والوفود والشخصيات السياسية المحنكة و العريقة ؟ وأين تكون مصالح السوريين في توريطهم بالدم الليبي ؟ لعل أبرز أسباب هدر الدم السوري بالمجان , هو ضياع البوصلة السورية , وبالأصح ضياع البوصلة الثورية , فروسيا كدولة لها هدف في سوريا , وايران كذلك لها هدف , وأيضاً تركيا وأمريكا لها اهداف , وحتى النظام السوري له هدفه , القضاء على الثورة السورية , وبسط سيطرته على كل مكان , إلا المعارضة السورية ليس لها هدف .

رغم أن المعارضة تحمل ” دولياً ” راية الثورة السورية , وطموحات الشعب السوري الثائر حتى الان , رغم كل الجروح المتواصلة , وأقول ” دولياً ” لانها الكيان الشرعي للثورة امام المجتمع الدولي , ولكنها في الحقيقة تحمل حقائب مفرغة من طموحات الشعب السوري وتسعى فقط لتحقيق مصالح الدول التي تتبع لها , وهي اليوم أشبه بمن حمل مطالب الشعب الفلسطيني , التي لم تتحق منذ أكثر من خمسين عاماً.

فلا زلت أذكر بكل وضوح ذلك المعارض السوري الذي عاد من سوتشي بعد اهانته هناك , وقال ” تركنا الوفد التركي هناك ليحقق مطالب الشعب السوري ” وبالأمس فقط المعارض الطبيب الذي انتقد مؤتمر الرياض لتوسعة وفد التفاوض الذي حصل دون علمه وهو رئيس وفد التفاوض ! وهنا تحديداً تكمن المصيبة العظيمة المتمثلة بغياب القرار السيادي والوطني لدى المعارضة وتعامل الدول معها كاتباع لا كحلفاء يحترم كلٌ منهم الآخر , وهي سبب التجارة الحرام بالدم السوري .

اذاً ومع كل هذه المصائب التي تعتلي داخلياً الثورة السورية , يتضح أن الثورة الآن بحاجة لثورة مضادة محلياً تعيد إليها نقاءها وصفاءها ووطنيتها , وذلك ليس ببعيد , فروح الربيع العربي مازالت موجودة , تفوح رائحتها العطرة من لبنان والعراق المتغنين بشعارات الربيع السوري .