ضحايا سيول وادي بردى تعرّي «انتخابات» الإدارة المحلية

سيول جارفة أودت بحياة مدنيين بينهم طفلان في واي بردى

مراسل سوري – متابعات   

«محسوبيات» أودت بحياة شاب

مساء 20 تشرين الأول / أكتوبر، أوصل “محمد أحمد سرور” قارورتي حليب إلى منزله في قرية “كفير الزيت”، بريف دمشق. قال لوالدته المريضة إنه سيذهب إلى دكانه ليبيع سريعاً الخضار المتبقية لديه. «راح وما رجع» قالت أمه في اليوم التالي على قناة “الإخبارية السورية” التابعة لعصابات “الأسد”.

فقد شهدت دمشق وريفها في ذلك اليوم هطولات مطرية غزيرة أدت إلى تدفق سيول في وادي بردى بريف دمشق الغربي، أودت بحياة “سرور” وطفلتين من قرية دير مقرن المجاورة أعمارهن 6 سنوات و 4 سنوات. وتضررت ممتلكات خاصة وتوقفت حركة السير بسبب تجمع المياه وانزلاق التربة.

وترك سرور، 35 عاماً، ثلاث بنات أعمارهن 11 سنة، 7 سنوات، سنتان. وبعد خمس ساعات من فقدانه، عثر الأهالي على جثة بائع الخضار التي جرفها السيل إلى نهر بردى على مسافة 500 متر من دكانه الذي تهدم فوقه وكان سبب مقتله.

تهرّب وتلاعب

ذلك فصل من الإهمال الطويل الذي تعيشه قرى وادي بردى في ظل تهرب المسؤولين من الاستحقاقات الملقاة على عاتقهم.

وفي تصريح لوكالة «سانا» الحكومية، أخلى محمد أمين عليا، رئيس بلدية كفير الزيت، مسؤولية مقتل سرور عن نفسه حيث زعم أن السيل جرفه «أثناء محاولته إنقاذ بعض الأشخاص وسحبه من ساحة الأيتام إلى شلال سِكْرِ سعيد في البلدة ما أدى إلى وفاته.» بينما عاد عليا ليقول لصحيفة «تشرين» الحكومية إن السيل «سحب سرور خلال محاولة إنقاذه لأحد المنازل الغارقة، حيث تسببت السيول بجرفه، وتم العثور عليه متوفى بعد خمس ساعات.»

إلا أن أبا أحمد، المدرس المتقاعد من كفير الزيت، أكد لمراسلنا أن رئيس البلدية «تلاعب بالمخطط التنظيمي للقرية لصالح محسوبيات شخصية وحوّل المجرى الطبيعي للسيل — المعروف تاريخياً لأهالي المنطقة — والذي يصب في نهر بردى، إلى طريق معبد بالإسفلت.» وتابع أن الطريق المعبد كان يُفترض أن يمر مكان «قهوة السلطان» المملوكة للقطاع الخاص.

وأوضح مواطن من القرية لصفحة «سوار الشام – محافظة ريف دمشق» على فيسبوك أن «محسوبيات» يمارسها رئيس البلدية جعل طريق عام يمر من خلال السيل وتعبيده بالإسفلت هي سبب الفاجعة. وأضاف آخر أن «البلدية أهملت بشكل واضح مصارف السيل ولم تعتنِ به لعقود مع أن رئيس البلدية مضى عليه في منصبه 17 عاماً.»

وأكد عبد الفتاح خولاني، عضو لجنة السلامة العامة في محافظة ريف دمشق، لصحيفة «تشرين» أن أغلب البيوت التي تضررت هي تلك المبنية في وسط مجرى السيل أو في حرم السيل وليست مرخصة بشكل نظامي لأن مجرى السيل عبارة عن أملاك عامة للموارد المائية.

«توجيهات» سبقت الفاجعة

وتُركت القرى المنكوبة في وادي بردى أيام السبت والأحد (20  — 21 تشرين الأول / أكتوبر 2018)، لمواجهة السيل دون أية مؤازرة من السلطات المركزية الحكومية.

وأوضح تيسير القادري، مدير مكتب الإغاثة والمنظمات الدولية في محافظة ريف دمشق، لصحيفة «تشرين» أن 50 أسرة في كفير الزيت و75 أسرة في دير مقرن تهجّروا بسبب السيول. وأضاف أن 160 منزلاً تضرروا في البلدتين منها ثمانية منازل منهارة كلياً. وأضاف أن بئر ماء تغطي 50% من حاجة سكان القريتين قد تضررت.

وفي 22 تشرين الأول / أكتوبر زار علاء إبراهيم، محافظ ريف دمشق، ومسؤولون حكوميون آخرون، القرى المنكوبة وقدموا العزاء لأهالي الضحايا دون أن يحملوا أحداً مسؤولية المأساة.

وتسببت أمطار غزيرة في دمشق وريفها في أواخر نيسان الماضي بسيول جرفت المارة والسيارات وأصيب ثلاثة أشخاص بجروح.

ويرى سكان محليون أن مسؤولي المنطقة لا يمثلون المواطن لأن السلطات «عينتهم» مع لجوء «شكلي» إلى صناديق الاقتراع.

وبحسب بعثيين مطلعين، شهدت انتخابات الإدارة المحلية في قرى وادي بردى منافسات اتسمت بالفساد بين مرشحين غالبيتهم بعثيون؛ حيث «دفع أغلبهم ملايين الليرات لمسؤولين مدنيين وأمنيين متنفذين» ليضمنوا نجاحهم في الانتخابات.

وكان منير أبو كحلا، أمين شعبة قدسيا لحزب البعث الحاكم، «وجّه أمراً شفهياً» في 14 تشرين الأول / أكتوبر للمجالس البلدية التابعة لشعبة قدسيا بـ«انتخاب أسماء محددة لرئاسة البلديات». وتتبع فرقة كفير الزيت لحزب البعث لشعبة قدسيا. وقال أبو كحلا، وفقاً لبعثيين مطلعين، إن «من يرفض الأوامر، يُعتبر متمرداً على الحزب.»

وشدّد غسان الجاسم، مدير الشؤون الفنية في محافظة ريف دمشق، لصحيفة «تشرين» أن كتاباً صدر من وزارة الإدارة المحلية لجميع المحافظات والوحدات الإدارية منذ عدة أشهر لأخذ الاحتياطات اللازمة لمثل هذه الظروف الجوية.

وجرت انتخابات الإدارة المحلية في سوريا في 16 أيلول / سبتمبر، للمرة الأولى منذ كانون الأول / ديسمبر 2011. وكان من المفترض أن تجرى الانتخابات مطلع عام 2016، بحسب قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، بعد انتهاء ولاية المجالس المحلية في أنحاء البلاد. وقررت الحكومة حينها تمديد فترة عمل المجالس المحلية، بسبب تعذر إجراء انتخابات.

البقاء للـ «أقوى»

 وقال مسلح معارض قاتل سابقاً في وادي بردى لمراسلنا إن رئيس بلدية كفير الزيت دفع في كانون الأول / ديسمبر 2011 مبلغ 50 ألف ليرة سورية لأحد قادة مسلحي المعارضة ليمنع الناخبين بقوة السلاح من الإدلاء بأصواتهم في انتخابات الإدارة المحلية في ذلك الحين. وبذلك ضمن عليا البقاء في منصبه حينها.

وتابع المقاتل الذي رفض الكشف عن اسمه خشية خلق مشكلات عائلية؛ والمقيم في محافظة إدلب شمال البلاد: «لا تغيير في العقلية التي تحكم البلد منذ أكثر من نصف قرن. والنظام الذي يعتبر نفسه منتصراً لا يريد أن يغير شيئاً ولا يرغب في أن يشاركه أحد في السلطة.»

وأكد جميع الأهالي ممن قابلهم مراسلنا أنهم لم يُدلوا بأصواتهم في القرية في ذلك الحين؛ حيث لجأ بعضهم إلى قرى مجاورة كانت تحت سيطرة الحكومة. وطالب الأهالي رئيس البلدية وجميع المسؤولين الحكوميين في المنطقة بوضع كشوف مالية لحساباتهم المصرفية وممتلكاتهم وتعاملاتهم المالية قبل وبعد تسلمهم مناصبهم أمام الرأي العام.

وخضعت معظم قرى منطقة وادي بردى لسيطرة فصائل الثوار؛ وكانت في الوقت ذاته محاصرة من قبل عصابات الأسد منذ مطلع العام 2012. وفي شباط / فبراير 2016، قام تحالف «جبهة النصرة» — «هيئة تحرير الشام» حالياً — و«أحرار الشام» و«الجيش السوري الحر» بطرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من الوادي.

وألقى التحالف القبض على كثير من عناصر داعش، فيما انضم آخرون إلى صفوف عصابات الأسد وميليشياته، وبعد معركة استمرت 38 يوماً، سيطرت عصابات الأسد في 29 كانون الثاني / يناير 2017 على المنطقة بموجب اتفاق قضى بتهجير الثوار مع عائلاتهم إلى إدلب.

«دمار وادي بردى الحقيقي قبل دمار البيوت والممتلكات هو دمار نفوس فاسدة تريد الوصول للمال والسلطة بأي ثمن حتى لو جاء ذلك على حساب أرواح الأبرياء،» ختم المدرس أبو أحمد قائلاً.