«صفقة» بين النظام السوري و «داعش» وتفاهمات حول التهريب

مراسل سوري – الحياة – هنادي الخطيب

لا تخرج أخبار السويداء للإعلام كثيراً، ولا يعود ذلك لهدوء يعمها، أو لاتخاذها لوناً واحداً وموقفاً واحداً مما يجري في سورية منذ بداية ثورتها قبل خمس سنين، ولكن يمكن تفسير بعدها عن الإعلام بصعوبة العمل الفردي الإعلامي بسبب سيطرة المشايخ الذين لا يزالون يحتفظون في كثير من الأحيان باليد العليا لجهة تحريك الشارع وتوجيهه، ولاحتلال المحافظة من قبل «داعش» والنظام.

وتسربت لصحيفة «الحياة» من مصدر داخل السويداء معلومات عن قيام النظام السوري قبل أيام بالتواصل مع وجهاء قرية «القصر» و «تل صعد» وهم من عشائر (المزاودة – السحيمان – الزريق – سويعان) حيث عُرضت عليهم العودة الى منازلهم مقابل خروج مقاتلي تنظيم «داعش» من القريتين.

وقبل الدخول في تفاصيل العرض الذي تقدم به النظام، لا بد من الإشارة إلى أن تنظيم «داعش» يسيطر على عدد من القرى التي تقطنها عشائر البدو شمال شرقي محافظة السويداء وهي (القصر – تل صعد – رجم الدولة – صيرة عليا – الساقية – شنوان – الأصفر – المفطرة – رجم البقر – أشيهب الشمالي – أشيهب الجنوبي) حيث تتبع هذه القرى أدارياً لمدينة شهبا.

وتضمن العرض الذي تــقدم به النظام، شروطاً عدة، تبدأ برفع علمه فوق مدرســة «القصر الابتدائية»، من دون دخول قوات «جـيش النظام» الى هذه المــنطقة، ومن دون تثبيت نقاط عسكرية داخلها، ولن يقوم النظام بعمل الحكومة هناك، وإنما سيتم تشكيل لجان محلية من الأهالي تتكفل بالمسؤوليات الأمنية في القريتين.

وفد وجهاء

وعلمنا من مصدرنا أن بعض الوجهاء قاموا بالذهاب إلى المحكمة الشرعية التابعة لتنظيم «داعش» في قرية «أشيهب الجنوبي»، وعرضوا بنود المصالحة على أمير قاطع «بير قصب» المدعو «أبو عبادة التونسي» الذي وافق على شروط النظام بإخلاء قرية «القصر»، لكنه رفض إخلاء مقاتلي التنظيم لقرية «تل صعد»، بل قام بتعزيز قواته في هذه القرية بمدفع «130 ملم» وقام ببناء عدد من التحصينات أمام أعين قوات «النظام» المتواجدة على بعد 5 كيلومترات من القرية.

ولا تزال المفاوضات جارية بين الوجهاء والنظام، ولكنها تعقدت قليلاً بعد رفض التنظيم إخلاء تل صعد.

وإن تمت هذه الصفقة بين النظام و «داعش» فهي لن تكون الأولى من حيث التعاون بين الاثنين في المنطقة، ففي حزيران (يونيو) العام الماضي كشف شباب من بلدة القريا عن عملية تهريب ما بين النظام و «داعش»، عندما اعترضوا أكثر من 10 سيارات تقوم بتهريب المازوت إلى تنظيم «داعش»، وبعد التحقيق معهم تبين أن غالبيتهم يتبعون لمرجعيات أمنية وعسكرية، وقالت نتائج التحقيق الذي قام به أهل القرية حينها، بأن السيارات تتبع للأمن الجوي ولميليشيا أحد الأحزاب، وتم الكشف حينها عن أسماء شخصيات نافذة في المحافظة تقوم بتسهيل أعمالهم في تهريب المازوت لـ «داعش».

وكانت المسؤولة الإعلامية للرئاسة السورية لونا الشبل هددت شباب السويداء بـ «داعش» في مطلع العام الماضي 2015، عندما قالت لهم خلال اجتماعها معهم «إذا لم تنضموا للجيش فداعش ليس بعيداً، وهو قادر على أن يصلكم خلال ساعات». وهو ما حصل فعلاً.

ويستبعد «أبو جود» الناشط من السويداء حدوث أي مواجهات بين النظام و «داعش» على رغم أن «مواقع ما يسمى «داعش» بأطراف السويداء واضحة وثابتة في قرية القصر شمال شرقي السويداء، ومع ذلك لا تطلق أية طلقة باتجاههم من جهة النظام».

ووفق المصدر من داخل السويداء فإن النظام قام منذ أيام بتعزيز قواته في تل «ضلفع» خط الدفاع الأول عن مطار خلخلة العسكري شمال المحافظة الذي هاجمه التنظيم قبل نحو 10 أيام، لكنه لم يتمكن من السيطرة عليه حيث دارت معارك هي الأعنف في هذه المنطقة بين «داعش» والنظام، أسفرت عن عدد من القتلى في صفوف الطرفين ليقوم «جيش النظام» بتعزيز قواته بتل «ضلفع» ومطار خلخلة بمئات المقاتلين من الفرقة 15 الموجودة في السويداء.

بينما تدور منذ أيام عدة معارك عنيفة في منطقة «الوعر الغربي» شمال شرقي «بير قصب» وفي بعض مناطق «البادية الشامية» بين تنظيم داعش وفصائل «الجيش السوري الحر» الموجودة في «القلمون الشرقي» في محاولة من الأخير لطرد التنظيم من المنطقة.

ويرجح المصدر أن تتم المصالحة من دون إخلاء التنظيم لتل صعد، لتشمل التسوية قرية القصر فقط، التي وافق التنظيم على إخلائها، إذ بالنسبة الى دروز السويداء والقرى التي يقطنها عشائر البدو، لا تزال الخلافات في نطاق يمكن السيطرة عليه.

ويشير المصدر إلى قيام النظام و «داعش» بحشد مقاتليه في المنطقة، حيث جلب «داعش» مدفعاً ميدانياً 130 ملم الى قرية تل صعد، وبنى المتاريس لتعزيز تحصيناته في هذه القرية، في المقابل قامت قوات النظام بحشد المئات من مقاتليها باتجاه مطار خلخلة العسكري وتل ضلفع شمال المحافظة الذي شهد هجوماً عنيفاً من قبل عناصر تنظيم الدولة منذ عشرة أيام باء بالفشل حيث حدثت معارك عنيفة لم يستطع التنظيم من خلالها السيطرة على تل ضلفع أحد أهم نقاط قوات النظام شمال محافظة السويداء كونه خط الدفاع عن مطار خلخلة العسكري.

«داعش» السويداء… عشائر بدو

يقول «أبو جود» أن «داعش» في السويداء هو عبارة عن قبائل البدو الموجودة في المنطقة وقد بايعت «داعش»، وميليشيات النظام هي التي تسهل التهريب الى درعا.

ويشاركه «سمير» الرأي مؤكداً أن المناطق التي يسيطر عليها التنظيم شمال شرقي محافظة السويداء تقطنها عشائر البدو ولا تواجد فيها ﻷبناء الطائفة الدرزية، وربما يعود سبب مبايعتهم «داعش» تخوف أبناء هذه العشائر من النظام، بخاصة أن الجيش الحر كان يسيطر على قراهم قبل دخول التنظيم اليها، أما من لم يرغب أن يبايع التنظيم فقد هرب باتجاه درعا او مناطق أكثر أمناً في بادية السويداء.

ولاءات مختلفة واتجاهات متعاكسة

ينقسم النسيج الاجتماعي في السويداء إلى قسمين، موالٍ للنظام وآخر معارض له، ويتقاسم المشايخ الدروز الولاءات ويوزعونها وفق توجهاتهم، ما يترك عدداً كبيراً من الشباب في السويداء في زاوية بعيدة من المشايخ، يحتفظون بآراءهم ضد النظام.

وينقسم رجال الدين في محافظة السويداء الى قســم موالٍ للنظام وعلى رأسهم الشيخ حكمت الهجري والشــيخ يوسف جربوع ولهم ارتباطات قوية برئيـس فرع اﻷمن العسكري العميد وفيق ناصر، ولدى مشايخ العقل ميليشيا يتجاوز عددها 1200 عنصر بينهم رجال دين وشبان مدنين بقيادة الشيخ نزيه جربوع أخ الشيخ يوسف جربوع شيخ العقل. والشيخ حمود الحناوي شيخ العقل الثالث هو في الوسط بين المعارضة والنظام ويقوم بأعمال الصلح بين درعا والسويداء وكان قريباً من مشايخ الكرامة، او صلة وصل بينهم وبين النظام. وثمة مشايخ آخرون أغلبهم مع النظام، وتعد ميليشيا الحزب القومي السوري أكثر المنظمات الحزبية العسكرية تنظيماً وتسليحاً، بينما كتائب البعث قليلة العدد ولا يظهر لها اي دور، والدفاع الوطني يمارس التشليح والتهريب والسرقات.

أما القسم الثاني ووفق «سمير»، فهو القسم المعارض للنظام ولسياساته القمعية بحق أبناء السويداء ويرفض رفضاً قاطعاً قتال أبناء السويداء في صفوف قوات النظام، وهم حركة «رجال الكرامة»، لكنهم ليسوا موالين لفصائل المعارضة المسلحة كما يزعم البعض، حيث كان أول بروز لرجال الكرامة في الشهر الثامن من عام 2014 حين احتل تنظيم «جبهة النصرة» قرية «دير داما» غرب محافظة السويداء لتحدث آنذاك معركة ضارية بين تنظيم «جبهة النصرة» وحركة رجال الكرامة بقيادة الشيخ وحيد البلعوس، وتمكن رجال الكرامة خلال هذه المعارك من استعادة قرية «دير داما» وفك أسر المدنيين الذين أسرهم تنظــيم الجبهة في القرية، بعد هذه المعركة اتهم رجال الكرامة النظام السوري بالخيانة ومساعدة تنـــظيم الجبهة في تلك المعركة في شكل غير مبــاشر، من طريق استهداف تجمعات رجال الكرامة بحجة خطأ في اﻹحداثيات، ليحدث بعدها عدد من المواجهات بين حركة رجال الكرامة وقوات النــظام كان أبــرزها في 4/9/2015 حيــث قامت قوات النــظام بتفــجير مــوكب الشــيخ وحــيد البلعوس قائد الحركة وعدد من مرافقيه ما أدى ﻹندلاع معارك عنيفة داخل مدينــة الســـويداء، أدت الى أسقاط الرمز اﻷكبر للنظام في السويداء تمثال حافظ اﻷسد وتمكن رجال الكرامة والمناصرون لهم من إقتحام فرع الشرطة العسكرية واﻷمن الجنائي وتحرير المعتقلين في ليلة واحدة، ليعود الهدوء الى المدينة بعد ايام عدة، حيث قام رجال الكرامة بانسحاب مفاجئ من المدينة لا يُعلم سببه، وعادت اﻷجهزة اﻷمنية الى عملها.

ولا تزال حركة رجال الكرامة قائمة حتى الآن بقيادة الشيخ رأفت البلعوس شقيق الشيخ وحيد، وقد أصدر بياناً عند استلامه قيادة الحركة اتهم فيها مخابرات النظام بالتفجيرات التي حدثت في السويداء وأدت الى مصرع البلعوس ورفاقه، وأكد اﻹلتزام بمبادئ الحركة في الدفاع عن السويداء ضد أي معتدٍ وإلغاء الخدمة العسكرية اﻷجبارية في محافظة السويداء إلا من أراد ذلك.

وأصدر النظام بعد تلك الأحداث في شهر كانون الأول (ديسمبر) العام الماضي، قراراً بفصل 54 موظفاً من أبناء محافظة السويداء في القطاع العام، من وظائفهم، وذلك لرفضهم الالتحاق بالخدمة الاحتياطية.

معارضة أم نظام؟

يقول «أبو جود» إن التوجه العام لأهل السويداء مع المعارضة وليس مع النظام لكن نتيجة الظروف الاقتصادية لا يظهر صوت الأكثرية، إضافة إلى تواجد النظام وبقوة وتسلط الأمن ووجود أزلامهم يوحي بأن محافظة السويداء مع النظام.

ويتفق سمير معه في عدد من النقاط ولكنه اختلف في ما يخص احتساب الكثيرين لجهة المعارضة، فقال إنه «لا يوجد كفة راجحة في التوجه الاجتماعي العام فاﻹنقسام بين مؤيد للنظام وقواته ومعارض لهم ومحايد واضح جداً لكن القسم اﻷكبر من المجتمع في السويداء اختار الحياد، والحياد هنا يأتي رغم معرفتهم وفهمهم لإجرام النظام وفساده، ولكن تفضيلهم للصمت يأتي كمحاولة لتجنب التدمير والتهجير.

ولكن مع التظاهرات التي فاجأت النظام قبل انتخابات مجلس الشعب الشهر الماضي والتي خرجت في أحد أحياء السويداء، تنديداً بفساد حكومة نظام الأسد في المحافظة، فيبدو أن البعض في المدينة بدأوا بالتعبير صراحة عن ضيقهم بالفساد وعدم قدرتهم على الصمت.

ويشير نشطاء من السويداء إلى أن تواجد أجهزة الأمن السورية في السويداء حالياً، يكاد يكون ظاهرياً فقط، مع عدم قدرتها على اعتقال أي شخص تخوفاً من رد فعل أهله، على رغم تسجيل بعض حالات اﻹعتقال على طريق دمشق السويداء لناشطين سياسيين أو مطلوبين للخدمة اﻹلزامية.