صحافة الاستشاريين المشلولة

مراسل سوري

هنادي الخطيب – شبكة جيرون

أطاح تحقيق صحافي نشرته الأسبوعية الفرنسية “لوكانار إنشينيه” عن زوجة المرشح الأبرز للرئاسة الفرنسية، فرانسوا فيون، أطاح بأحلامه ومستقبله السياسي، بعد أن نشرت الصحيفة تسريبات تطاله وزوجته، وسرعان ما فتح  المدعي المالي الفرنسي تحقيقًا بالأمر، وتطور التحقيق ليصبح طلبًا، وجهه المدعي المالي الفرنسي من قاضي التحقيق؛ لفتح تحقيق في مزاعم حصول زوجة فيون على مبالغ مالية كبيرة نظير عمل، ربما لم تقم به، وأما التهم التي تنتظر فيون؛ فهي “الاحتيال، والاختلاس، وانشاء سلسلة وظائف وهمية؛ للحصول على مئات الآلاف من أموال دافعي الضرائب”، وتولت الصحافة الفرنسية -بعد تفجير الفضيحة الأولى بحق فيون- مهمة كشف سلسلة من الفضائح، ويبدو أن اعتذار فرانسوا فيون عنها ومحاولته طي صفحتها محكومة بالفشل، وأما البطل الحقيقي في تلك الفضيحة فهي الصحافة التي استطاعت أن تبخر أحلامه التي كادت أن تتحول إلى واقع قبل التحقيق الصحافي.

أميركيًا.. لم تهدأ الصحافة الأميركية، لا قبل بلوغ ترامب سدة الرئاسة الأميركية، ولا بعد وصوله إلى الكرسي، لم تهدأ تلك الصحافة عن البحث والكلام والكتابة في كل تفصيل سابق ولاحق في حياة رئيس أميركا الجديد، ويبدو أن الصحافة استطاعت أن تخرج ترامب من طوره مرات عديدة، فبعد سلسلة من التصريحات الغاضبة من ترامب ضد الإعلام والإعلاميين، وبعد أن صنفهم في خانة الأعداء علنًا، منع البيت الأبيض أهم وسائل الإعلام الأميركية من تغطية مؤتمر صحافي قبل أيام قليلة، فما كان من بعض الوسائل الإعلامية التي لم تُمنع إلا أن تضامنت مع الممنوعة ورفضت حضور المؤتمر، إنها الصحافة الأميركية التي تنغص نوم الرئيس.

وأما سوريًا، وإن كنا نريد أن نكون أكثر تحديدًا يمكننا أن نقول سوريًا في الطرف المعارض والثائر على نظام بشار الأسد، أين الصحافة مما يحدث في سورية، وإن كنا وجهنا اتهامات كثيرة للعالم الغربي على طريقة تعامله مع الثورة السورية والضحايا السوريين، واتهمنا الإعلام الغربي في مرات كثيرة بالتعامي عن جرائم بشار الأسد، مقابل وضع المجهر على جرائم داعش، فإننا -بالتأكيد- نعرف وندرك مدى الضحالة الصحافية التي وقعنا فيها، ومدى الفساد والإفساد الصحافي، وحجم التقصير الإعلامي الذي ابتليت به الثورة الأغلى في العصر الحديث، من حيث عدد الأرواح التي يجري دفعها كل يوم، منذ ست سنوات من عمر الثورة السورية، والكارثة الحقيقية كانت في تجاهل المعارضة السياسية والمسلحة للإعلام السوري المعارض، وتهميش دوره، وتجاهله.

لا نذكر أن معارضًا سوريًا واحدًا رد على اتهامات صحافية وغير صحافية بالفساد، ويمكننا أن نتذكر سهير الأتاسي والائتلاف الذي تجاهل معها كل الاتهامات التي وُجّهت لها، وبالطبع؛ يجرنا الحديث هنا عن سلسلة فضائح شخصية وسياسية ومالية واستخباراتية اتُّهم الائتلاف بها “جماعة وفرادى”، بدون أن يرف جفن لهذا الائتلاف، ومن ثم فضيحة جوازات السفر، وقبلها استخدام الضرب داخل أروقة الائتلاف، والتزوير في الانتخابات، وأما عسكريًا؛ فحدث ولا حرج، من اعتقالات تعسفية وإعدامات وترهيب وتخويف، والصحافة -هنا- تفرعت إلى اثنين لا ثالث لهما، إما دور تشبيحي، يتقاضى عليه الصحافي أجرًا، وإما انتقادي يجري تجاهله والتعامي عنه وعن الصحافي نفسه.

جنيف 1،2،3،4 جنيفات تتكرر، وجوه تتأبط بضعة أوراق وتذهب إلى جنيف، وهذا موضوع آخر، لنرى كيف استعد الطرفان إعلاميًا.

وفد بشار الأسد يحضر مع الأشخاص أنفسهم، وبعدد محدود، وفاعلية واضحة لوفده الإعلامي، تخيلوا الإعلام الأسدي الخشبي تطور، وبدأ يدرك كيف يدير الإعلام؛ بينما اصطحب وفد المعارضة، ولنكن أكثر تحديدًا، وفد الهيئة العليا للمفاوضات، عددًا ضخمًا ممن أطلق عليهم اسم “مستشارين إعلاميين”، فهل أدوا مهمة وفد إعلامي لمؤتمر بهذه الأهمية؟

لن ندخل في تفاصيل أسماء الوفد الاستشاري الإعلامي، ومع احترامنا لعدد منهم من الحضور، لكن يحق لنا أن نتساءل ماذا يفعل كل هؤلاء في جنيف، إذا كانت المحطات الإخبارية تستضيف أعضاء الهيئة أنفسهم، ليتحدثوا عن مستجدات المفاوضات، وفي المرات القليلة التي خرج بعض أولئك الاستشاريين على الإعلام، ظهروا بالشكل الخشبي الشعاراتي الذي ورثه الإعلام العربي من عقود الإعلام الموجّه سلطويًا. وكي لا يساء فهمنا، فلسنا متأكدين من أن المشكلة في الاستشاريين الإعلاميين، أم، وهو الأرجح، في أن معارضينا لم يصلوا بعد إلى درجة الإشباع من سحر الظهور الإعلامي، ومن ثَمّ؛ حتى من انتقوهم، بوصفهم إعلاميين مرافقين، لا يحق لهم أن يكونوا إعلاميين.

الصحافة التي تطيح بمرشحين في العالم الغربي، والصحافة التي تخرج رئيس أميركا عن طوره، ليست نفسها الصحافة التي تحولت إلى دكاكين وعلاقات عامة، وعلى مبدأ “حكلي لحكلك”، يتطور الصحافي السوري، من ناشط على الأرض، فناشط على الفيسبوك، فصحافي، فاستشاري، وكل ذلك يجري بناء على العلاقات العامة والمصالح والولاءات، ويبدأ برشق السوريين بـ “البوستات” [المنشورات] الطائفية تارة، والعنصرية تارة أخرى، بلغة بعيدة عن الصحافة، وبطريقة تثبت كل يوم أن هذه الصحافة لم ولن تحرك قيد أنملة في الواقع السوري.

لقد كان من أحلام الشعب السوري -مع بداية ثورته- أن يرى إعلامًا حرًا مسؤولًا مستقلًا، لكن، للأسف، بعد ست سنوات ما زال ما يُصنَّف على أنه إعلام الثورة، أو إعلام المعارضة يعاني من أمراض هيئات المعارضة السورية نفسها.

كل العالم، بمن فيهم نظام الأسد، يدرك أهمية الإعلام وقوة هذا السلاح، إلا عند هيئات معارضتنا، فالإعلام بالنسبة إليهم أن يَظهروا -هم أنفسهم- على جميع الشاشات والصحف، ويكرروا الخطابات نفسها، ويوزعوا صكوك الوطنية، ثم يعودوا إلى الشكوى من “الهجمة الإعلامية الشرسة”.

تعرض الشعب السوري -منذ بدايات الثورة السورية- لحرب إعلامية من جميع الأطراف؛ من النظام وحلفائه، ومن الإعلام العربي، والغربي أيضًا. والإعلام هنا يشمل الإعلام التقليدي، إضافة إلى أكثر التقنيات أهمية، وهي الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي. ضمن هذه الحرب ظهرت وسائل كثيرة عالية الحرفية والتأثير لمحاولة صوغ الرأي العام السوري والعربي والدولي، بما يخدم استراتيجيات القوى المتصارعة على سورية، ابتدأت هذه الوسائل من اختراع الكلمات والعبارات، مرورًا بتحريف الأخبار؛ ووصولا إلى الحوارات السياسية المدروسة، وبقيت الثورة؛ بسبب المؤسسات الضعيفة والمنتفعة التي فُرضت عليها، بلا صحافة حقيقية، وعندما كانت تظهر بعض التجارب الصحافية الجادة، هنا وهناك، كان يهرول الجميع لكسر القلم وتجاهله.