سوريا مصنع الرجال.. “رجال الأسد”

اقتصر دور "الجيش السوري" على خدمة الأسد وضباطه وعائلاتهم وقمع الثورة السورية

مراسل سوري – آمال سلوم   

تماماً كما كانت تمتلئ كتبنا المدرسية وشعاراتنا الصباحية التي كنا نرددها في مدارس “الأب الخالد” بأقوال أشبه أن تكون لرجل يصنع التاريخ الأول في عالم الحرية.

“رجال الأسد”؛ وبتعبير أفضل يمكننا تسميتهم “زبانية وشذاذ آفاق الأسد”، هم جزء من النظام الذي ما فتئ يدهش العالم بأساليبه التربوية حتى في التعامل مع مستعبديه، ولكل رجل من رجاله صيغة يحتاجها الأسد لترويضه وإحسان التربية بما يفي بالغرض المنشود منه.

“أعطيك إياها مزرعة”: أول جملة يطلقها مدراء تلك المزارع عند تسلمهم إدارتها وبداية تشييدها بما يليق لأن تكون مزرعة أحد رجال الأسد، ردد تلك الكلمات مراراً اللواء “توفيق جلول” عندما كلفه حافظ الأسد بتشكيل “الفرقة 11” بداية الثمانينات في مدينة حمص، واستمر اللواء جلول بتكرار تلك الجملة متفاخراً، حتى بعد نقله إلى دمشق برتبة “عماد” في الجيش السوري.

بدأت عملية تسليم اللواء وتشييد “الفرقة 11″، وتم إصدار قرار لاستملاك العقارات المطلوبة لإنشاء الفرقة، وبدأت الآلات الثقيلة بتجريف الأراضي، ورفع السواتر الحربية وحفر الخنادق، وبناء الغرف المتباعدة، ومقر لقيادة الفرقة.

وإن كانت مراسيم الاستملاك آنذاك تطال العقارات من “75م” إلى “85م” من منطقة “شمسين” في الريف الجنوبي لمحافظة حمص، لكنها لم تكن كافية لتلبية طموح اللواء جلول في تشييد أكبر التشكيلات العسكرية في جيش الأسد “لمحاربة العدو الإسرائيلي”؛ تلك الأهداف التحريرية التي تربى عليها رجال الأسد، أعطت اللواء المذكور الحق لوضع يده على ما يريد من الأراضي الزراعية لتشكيل الفرقة 11 تحت بند الاستملاك.

ووضعت أراض مجاورة لتلك المستملكة -تتجاوز مساحتها الإجمالية آلاف الدونمات- تحت خدمة مشروع اللواء “توفيق جلول” ليحلق فيما بعد بطموحاته، والتوسع إلى القرى المجاورة للأراضي التي ضمها أيضاً، فاقتطع أراضٍ زراعية من عدة قرى (الديبة – الحسينية – جندر – حسياء) مستشهداً بذلك أن مساعيه لا تتعدى حلمه بإنشاء وإقامة التشكيل الأهم والأخطر في وجه أعداء سوريا، منافياً بذلك القوانين والأنظمة في الدولة.

فمن الناحية القانونية: هناك فرق شاسع بين أن تضع الدولة مساحة من أملاك خاصة تحت خدمتها بطريقة الاستملاك، مقابل دفع ثمن الملكية لصاحبها، بالإضافة إلى تعويضه، لأنه اضطر إلى “بيع” تلك الملكية دون وجود خيار رفض البيع، وبين عمليات الاستيلاء التي قام بها اللواء جلول بمشروعه التوسعي عندما تجاوز الحدود التي نصت عليها المراسيم الخاصة باستملاك الأراضي لإنشاء (الفرقة 11).

الاستيلاء هو حالة اغتصاب للملكية دون تعويض صاحبها، عادةً ما تقوم بها قوات الاحتلال الأجنبية، وعادةً ما تجرمه كل القوانين البشرية والدولية، أما القانون السوري فلا يفرق بين الاستملاك والاستيلاء؛ فكلاهما ينزعان الملكية من صاحبها دون علمه المسبق بالقرار، وما كان من أصحاب تلك الأراضي والأملاك حينها إلا المباركة لمشروع الدولة ببناء واحدة من أكبر الفرق العسكرية في الجيش السوري، بذلك تكون فرقة الجيش العربي السوري “الفرقة 11” شيدت بما يليق لأن تكون مزرعة يديرها اللواء جلول.

تم تقسيم الأراضي المستملكة منها والمستولى عليها إلى خمسة أقسام (قسم الجيش – قسم الزيتون – قسم الأراضي الزراعية المروية “يضمنها اللواء للأهالي” – قسم الأراضي الرعوية “تُضمن للبدو من أجل رعاية الأغنام” وقسم لتربية النحل).

تدار تلك الأقسام من قبل الملازم “علي إبراهيم” ابن اخت اللواء جلول، والذي يعرف بأنه الشخص المدلل الذي يطلب رضاه جميع ضباط الفرقة، يقوم الملازم “ابراهيم” بإدارة تلك الأقسام في مزرعة “توفيق جلول” من خلال عناصر الجيش الذين تفرزهم له قيادة الفرقة خلال الفترة المحددة للخدمة الإلزامية في الجيش السوري.

وبالطبع تصب الأموال المستحصلة من تضمين الأراضي الرعوية للبدو، والأراضي الزراعية للعائلات العاملة بالزراعة أمثال “آل عودة” الذين اشتهروا بزراعة البطاطا والشمندر السكري، ومشاريع تربية النحل في ميزانية اللواء جلول الخاصة، مستخدماً كل ما أوكل له من أراض وعمال دون أجر، كونهم في الفترة الإجبارية لما يسمى “خدمة العلم” مشبعاً بذلك جشعه وأطماعه.

بعد مرور سنوات طالب أهالي القرى بأراضيهم التي استولى عليها جلول، مطالبين بإنصافهم وإعادة حقوقهم؛ حيث أُجبروا على التنازل عنها قبل سنوات، إلا أن مطالبهم ومساعيهم بائت بالفشل حتى عام 2004 للميلاد؛ حيث لجؤوا إلى القضاء، وكان بدوره اللواء جلول قد انتقل الى العاصمة دمشق، وتمت ترقيته إلى رتبة “عماد” في الجيش السوري، وتم تعيينه مديراً لإدارة التفتيش في مؤسسة الجيش، مكافئة لجهوده في إشادة (الفرقة 11).

اصطدم القضاء والخبراء والمحامون بالعقيد “علي إبراهيم” الذي منعهم من الدخول الى الأراضي مردداً قوله “أنتم تعتدون على جيش الوطن، أنتم تسيؤون إلى الجيش العربي السوري”

قبِل القضاء الدعوى لتحصيل الأراضي شكلاً، وصار إلى استصدار قرار إعداديّ باجراء الخبرة والكشف الحسي على الأراضي المستولى عليها، حتى اصطدم القضاء والخبراء والمحامون بالعقيد “علي إبراهيم” الذي منعهم من الدخول الى الأراضي مردداً قوله “أنتم تعتدون على جيش الوطن، أنتم تسيؤون إلى الجيش العربي السوري”، مستحضراً بكلماته كل ما تربى عليه من أقوال تحريرية مجيدة في وطن الأسد، ورُفع السلاح من قبل عناصر الجيش العاملين في مزرعة جلول لمنع اللجنة من الدخول والكشف على الأراضي.

لم يكن اللواء جلول الأولَ، وليس الأخير، في حقبة النظام السوري من الذين تسلموا مفاتيح مزارعهم الخاصة ليسخّروا قواهم العقلية بما يفيد خدمة الوطن وتطوير مؤسساته، في الجمهورية العربية السورية، فهكذا تكون الرجال “رجال الأسد” -أنصافَ الرجال- هم من جعلوا من أنفسهم عبداً لأطماعهم، يستغلون كل ما أوتي لهم من قوة، تماماً كما استغلهم الأسد الأب لتطويق مزرعته الكبرى “سوريا”.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.