سوريا في الإعلام الأعمى

سوريا في الإعلام الأعمى

مراسل سوري – هنادي الخطيب 

يتصدر المعلم “وزير خارجية الأسد” الشاشات الفضائية، ويغيب السوريون المضرجون بدماءهم.

يقتل داعش هنا، ويصلب هناك، وتستحوذ شهادة لأحد الناجين من داعش على أخبار الصحافة العربية والغربية، ويغيب السوريون المضرجون بدمائهم.

يقفز المعارض الائتلافي من شاشة إلى أخرى، ويخطف معارض هيئة التنسيق الأضواء بحديثه عن مؤتمر في قلب دمشق، وينفي هذا ويستغرب ذاك من ذكر أسمائهم ضمن تحضيرات المؤتمر في حضن النظام، ويغيب السوريون المضرجون بدماءهم.

اليوم أصبح حيز الموت السوري يحتل الصفحة الأخيرة، الأخيرة من الصحف، الأخيرة من أخبار العالم، الأخيرة في النشرات الإخبارية، الموت السوري يتم دفنه في صفحاتهم الأخيرة.

الأيام السورية الماضية تكاد تعطي صورة عن الجحيم الذي ذكر في الكتب السماوية لهول ما حدث ويحدث في حلب وباقي سوريا “دوما، حرستا، ريف حماة، إدلب، حمص”، ويكاد السوري أن يتصنع الموت ليهرب من أخباره، وأيٌّ من هذا لم يحرك شعرة من الإعلام، ولماذا ستحرك هذه الأخبار ذلك الإعلام، إن كان قد اعتاد على الموت السوري، وإن كانت المعارضة المحسوبة على السوريين مشغولة بالمؤامرات، وتقسم الكعكة والمناصب فيما بينها.

لا مشافٍ في حلب المحاصرة، ولا مشكلة في ذلك.

المعلم “ببلادته المعهودة ونظرته الجليدية” يعلن أنه لن يُدخل المساعدات، ولا مشكلة في ذلك.

داعش قتل طفلاً، بدأت المشاكل والتسابق الإعلامي، وسرعان ما تظهر عائلة الطفل وجيرانه وأبناء قريته ورئيس البلدية والمختار والكلب الذي يربيه الجار، على شاشات التلفزة، فداعش قتلت طفلاً بريئاً، وأما الأطفال الذين يقتلهم الأسد وروسيا فسيمرون مرور الكرام في نشرات الأخبار، بخبر الصفحة الأخيرة.

استشهد أمس في حلب المحاصرة مراسل فريق IRT “زياد جمّول”، وزياد شاب تزوج قبل عام واحد فقط، وقبل شهر واحد أصبح أباً، فلا ابنه تعرف عليه، ولا هو رآه يحبو ويدرس، وربما سيرى الطفل أباه بعد سنوات إن بحث عن اسمه في الإنترنت على شكل صورة وضعها شباب سوريون على صفحاتهم، ولكن ما لن يراه الطفل، هو حكاية والده في أي محطة أو صحيفة، فأبوه لم يقتله داعش، ولم يصلبه، وأبوه كان يحصي عدد الشهداء في حلب المحاصرة، وإن استشهد فهو ليس أكثر من رقم بالنسبة للعالم ولإعلامه.

زياد وأمه استشهدا معاً أثناء محاولتهما الوصول لبيت أخته التي استشهد زوجها، هل من روائي يجرؤ أن يضع كل تلك المآسي في رواية واحدة؟

قبل فترة ليست بالطويلة، وبعد أن غطت صورة الطفل السوري عمران جميع وسائل الإعلام مثلما فعلت قبلها صورة الطفل إيلان، أرسل “أليكس” الطفل الأمريكي رسالة لأوباما يسأله فيها أن يلتفت لأطفال سوريا، ويطلب استضافة عمران، وقبل يومين استقبل أوباما أليكس في البيت الأبيض، فماذا فعل الإعلام؟

لم يفعل شيئاً، غطى الإعلام الغربي والعربي استقبال أوباما لأليكس، والتقط الصور، ونشر فيديو لكلام أوباما، وصفق الجمهور لأوباما ولأليكس، وبقي عمران الغائب الوحيد عن الصورة والتصفيق والحياة، عمران السوري لا يستطيع أن يمزق إطار الصورة ليظهر فيها ضمن إعلام أعمى ويتعامى.

غطت أخبار اللاجئين السوريين الصحف والمحطات الإخبارية، وتضخمت الرواية وتزايدت أعداد اللاجئين السوريين «إعلامياً» وابتعدت عن الواقع، وتحولت الوكالات إلى موظف رسمي لدى حكومات الغرب لنقل أخبار اللجوء ورمي الأرقام هنا وهناك، وباتت شهادات اللاجئين يومية، وحكايا التهريب هي المفضلة لدى صحافيي العالم.

وزادت عليها أخبار الجرائم التي يرتكبها أولئك اللاجئون، لنكتشف أن الصورة في هذا الخبر غير صحيحة، والاسم في ذاك غير دقيق، وشاركت صور القهر لبعض اللاجئين في مسابقات التصوير ليتسلم ملتقط الصورة الجائزة، وليلفظ بطل الصورة أنفاسه بين الأسلاك الشائكة على الحدود، أو ليدفن كرامته وبلاده في واحد من المخيمات التي انتشرت في أوروبا، ووسط كل ذلك غاب الموت السوري والحصار السوري والمهانة السورية عن الإعلام.

روسيا اليوم في سورية تقاتل هي والأسد بأسلحة روسية جديدة، وكأن حظر دخول الأسلحة إلى سورية ليس أكثر من تعويذة فقدت مفعولها ودُفنت في فناء المنزل، وانشغل الإعلام مرة أخرى بتصوير بعض الجنود الروس المنتشرين في سورية.

كتب أحد السوريين “لا تكتبو أعداد الشهداء، سجلوا أسماءهم، فإن نسيهم وتجاهلهم العالم علينا أن لا ننسى”.