خمس ثغرات في تنفيذ اتفاق كيري – لافروف ومفاوضات جنيف على «صلاحيات» الأسد

مراسل سوري – الحياة 

إبراهيم حميدي 

المساعدات الإنسانية إلى الأحياء الشرقية في حلب والمناطق الأخرى المحاصرة، عقدة انتقال اتفاق واشنطن وموسكو إلى المرحلة التالية: تشكيل «خلية التنفيذ المشتركة» بين الجيشين الأميركي والروسي وتبادل الخرائط والمعلومات الاستخبارية لبدء استهداف «فتح الشام» (جبهة النصرة سابقاً) وتنسيق الحرب ضد «داعش» وبقاء الطائرات السورية في قواعدها بالتوازي مع إطلاق مفاوضات السلام في جنيف.

عقدة المساعدات الإنسانية، شرط وضعته إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للحفاظ على إجماع مؤسسات الإدارة في وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) ووزارة الخارجية، تمّ التشديد على هذه النقطة بعد اجتماع مجلس الأمن القومي لتخفيف حدة تحفظات وزير الدفاع آشتون كارتر.

مساء ٩ أيلول (سبتمبر) الجاري، بعدما أنجز وزير الخارجية جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف المسودة الأخيرة للاتفاق، شارك كيري في اتصال هاتفي لنحو خمس ساعات مع أقطاب الإدارة في واشنطن. كارتر كان متحفظاً عن نقاط عدة، بينها «عدم الثقة» بالجيش الروسي والخشية من مشاركة المعلومات الاستخبارية مع موسكو وإطلاعها على كيفية تعاطي الأجهزة الأميركية، إضافة إلى تساؤله: من سيملأ الفراغ الذي سيحصل بعد استهداف الفصائل الإسلامية؟ قوات النظام وحلفاؤها أم أن واشنطن مستعدة لدعم إضافي لفصائل «الجيش الحر»؟

في نهاية الاجتماع، تدخل أوباما ودعم رأي كيري، في أنه في ضوء الوضع الحالي وعدم رغبة أوباما في التصعيد العسكري، فإن الحل الوحيد هو التعامل مع الروس، بحيث يتم «خفض» مستوى العنف وإدخال مساعدات إنسانية إلى جميع المناطق المحاصرة وإطلاق عملية التفاوض في جنيف بالتوازي مع تشكيل «خلية التنفيذ المشتركة». كارتر وافق على رأي أوباما مع تمسكه بضرورة «صمود الهدنة في شكل مستمر لأسبوع كامل» ودخول المساعدات وتنفيذ روسيا التزاماتها.

خلال الأسبوع الماضي، أصر الجانب الروسي على تسمية المنجز بـ «الاتفاق» وضرورة نشره علناً وتوزيعه ثم إقراره في مجلس الأمن ليصبح قراراً دولياً يمهد لتشكيل تحالف دولي ضد «الإرهاب» من منطلق الشراكة والندية بين واشنطن وموسكو ما ينسحب على الجهد العسكري القائم بين التحالف الدولي بقيادة أميركا ضد «داعش» وبوادر الحلف الروسي مع دول إقليمية. أما واشنطن، فإن عبارة «ترتيبات العمل المشترك» هو الاسم الذي تطلقه على المنجز مع موسكو، أي أنها إجراءات محددة لأهداف محددة تقتصر على سورية ومحاربة «النصرة».

عدم الثقة بين الطرفين، أظهر خطوات عدة ويتصاعد ذلك مع الاقتراب من بدء تشكيل «خلية التنفيذ»:

الأولى، قائمة التنظيمات الإرهابية: واشنطن قدمت قائمة بالتنظيمات المحسوبة على «غرفة العمليات العسكرية» ضمت فصائل «الجيش الحر»، إضافة إلى «جيش الإسلام» و «أحرار الشام». مشكلة موسكو مع هذا القائمة أنها تضم فصائل إسلامية طالما عملت على ضمها بـ «القائمة الإرهابية» لأنها جزء من «جيش الفتح». موسكو طلبت قائمة عن كل فصيل واسم قائده وعدد عناصر الانتشار وخرائطه. واشنطن، تخشى من أن تسليم ذلك يعني وضع الفصائل المحسوبة

و «الجيش الحر» ضمن قوائم الاستهداف العسكري للجيشين الروسي والسوري. لذلك، فإن موسكو اتهمت واشنطن أكثر من مرة في الأيام الأخيرة بأنها لم تقم بما يكفي لفصل المعتدلين عن الإرهابيين.

الثانية، الخرائط: بالنسبة إلى وزارة الدفاع الأميركية، فإن مجرد تشكيل «خلية التنفيذ» لبدء استهداف «النصرة»، على موسكو ضمان بقاء الطيران السوري، القاذفات المقاتلات والمروحيات، في قواعدها. أي أن يحتكر الأميركيون والروس الأجواء السورية، ما يسمح بهزيمة المتشددين وحماية المدنيين ودعم المعارضة المعتدلة، إضافة إلى أن يكون الاستهداف محصوراً فقط بضرب المتشددين في «جبهة النصرة» والاتفاق على الأهداف المشتركة.

الثالثة، طريق الكاستيلو: نص «الاتفاق» وفق التسمية الروسية و «الإجراءات» وفق التسمية الأميركية، على انسحاب متزامن من القوات النظامية وحلفائها وفصائل المعارضة، وإقامة حواجز تفتيش روسية ونقاط مراقبة لمنظمات مدنية، بحيث يصبح الطريق «منطقة منزوعة السلاح». قوات النظام يجب أن تسحب أسلحتها الثقلية مسافة ٣,٥ كيلومتر والأسلحة المحمولة مسافة ٢,٥ كيلومتر وإقامة نقطتي مراقبة على مسافة ٥٠٠ متر شمال الطريق. في المقابل، تقوم هذه الفصائل بالانتشار شرق الطريق مع «تراجع» متزامن شمال المجمع التسويقي، إضافة إلى سحب عرباتها الثقيلة مسافة ثلاثة كيلومترات والأسلحة المحمولة مسافة ٢,٥ كيلومتر، إضافة إلى انسحاب جميع الأفراد مسافة ألف متر شمال المجمع التسويقي. يلتزم الطرفان بعدم قيام أي منهما بملء فراغ تركه الآخر.

يضاف إلى ذلك السماح بخروج المدنيين والمقاتلين من الأحياء الشرقية بعد إبلاغ الأمم المتحدة و «عدم إلحاق الأذى» بالمقاتلين الذين يبقون طالما أنهم ملتزمون بوقف النار، بحيث يؤدي كل ذلك إلى تحييد طريق الكاستيلو وإدخال المساعدات إلى ربع مليون شخص محاصرين شرق حلب.

وصلت القوات الروسية، لكن التفاصيل الأخرى لم تنفذ. موسكو أعلنت أن الجيش السوري «سينحسب» ثم «بدأ إعادة الانتشار تمهيداً للانسحاب» ثم «بدأ الانسحاب»… قبل أن تعلن أن ذلك لم يحصل لأن المعارضة استهدفت الجيش السوري أو القوات الروسية. وعرضت قناة «روسيا اليوم» على الهواء استهداف المعارضة «المراقبين» الروس.

الرابعة، إغاثة حلب: جهزت الأمم المتحدة 40 شاحنة لإغاثة 80 ألفاً شرق حلب. تعبر من باب الهوى على حدود تركيا إلى الكاستيلو. تنفيذ هذه الخطة يتطلب «فك الاشتباك» وانسحاباً متزامناً من الطريق وانتشار الروس. دمشق اتهمت «المسلحين بمهاجمة الجيش»، فيما اتهم معارضون «النظام برفض الانسحاب والسعي إلى إحكام الحصار». المجلس المحلي في حلب، مدعوماً من الجمعيات المدنية والمجالس المحلية، قدم سلسلة تحفظات: أولاً، وجود المراقبين الروس بينما موسكو ليست حيادية. ثانياً، إخضاع القوافل في طريق الكاستيلو لتفتيش القوات النظامية والتحقق من الموجود فيها مع تخوف من إحكام الحصار. ثالثاً، عدم السماح بحرية تحرك المدنيين، ما يعني بقاءهم محاصرين وفتح الباب لخروجهم وتخوف من عبارة «إجلاء المدنيين» وتكرار نموذج داريا غرب دمشق. رابعاً، عدم وجود المواد الضرورية للمحاصرين مثل الدواء والطحين وحليب الأطفال، حيث يوجد 20 ألف طفل دون السنتين.

خامساً، خطة المساعدات: كانت هذه الخطة محوراً رئيسياً في اجتماع مجموعة العمل الإنسانية في جنيف الخميس. حيث سجل إطلاق دمشق حوالى 200 معتقل من حي الوعر في حمص ووضعها خطة لـ «إعادة إعمار داريا بعد تمشيطها». وسجل حصول مفاوضات لإخراج مقاتلين من معضمية الشام، بينهم نازحو داريا مع بقاء الخلاف حول الوجهة الأخيرة بين إدلب وجرابلس. لكن في المقابل، اشتكت الأمم المتحدة لممثل روسيا من عدم التزام دمشق إعطاء أذونات إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة قبل نهاية الشهر، فيما قال مسؤول غربي أن إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة لا يتطلب موافقة دمشق بموجب القرار 2254. وشملت خطة الأمم المتحدة للشهر الجاري إرسال قوافل إلى «المناطق المحاصرة» وهي حي الوعر في 22 الشهر الجاري وعربين وزملكا في 26 منه ودوما في 28 الشهر وكفربطنا في 30 الشهر و «مناطق صعب الوصول إليها» وهي قدسيا في 24 والرستن في حمص في 26 و28 منه وحفربنفسه في 29 منه.

بالنسبة إلى واشنطن وموسكو، هناك معياريان لنجاح الاتفاق: صمود الهدنة وإدخال المساعدات. واتفق كيري ولافروف على عقد اجتماع «المجموعة الدولية لدعم سورية» في نيويورك صباح الثلاثاء قبل اجتماع وزاري لمجلس الأمن لتقويم التقدم في هذين البندين ومدى إمكان أن يدعو المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا إلى استئناف مفاوضات جنيف الشهر المقبل. وأعرب مسؤول غربي عن اعتقاده باحتمال موافقة كيري على إسقاط عبارة «الانتقال السياسي» والموافقة على «عملية سياسية» تطلق في جنيف. وتبلغت قيادة «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة من حلفائها أن المفاوضات المقبلة، في حال استؤنفت، ستتناول «صلاحيات» الرئيس بشار الأسد وليس «مصيره» كما كانت واشنطن وحلفاؤها يتحدثون سابقاً.