“حوض اليرموك” بين المعارك والنزوح.. القصة الكاملة

مراسل سوري – خاص  

تشهد مدن وبلدات حوض اليرموك جنوب درعا حالات نزوح جماعية للمدنيين بسبب استمرار واتساع رقعة الاشتباكات العنيفة بين فصائل الثوار وبين لواء شهداء اليرموك وحركة المثنّى الإسلامية المتهمتَين بمبايعة تنظيم “الدولة الإسلامية” منذ نهاية مارس/آذار الماضي بعد محاولة الأخيرَين التقدّم في المنطقة على حساب فصائل الثوار.
 
عسكرياً
فبعد هجوم “لواء شهداء اليرموك” المتهم ببيعته لتنظيم الدولة الإسلامية على بلدة “تسيل” جنوبي درعا ومحاولته التمدد إلى مناطق تسيطر عليها فصائل الثوار في المنطقة الجنوبية، أنشأ الثوار غرفة عمليات عسكرية ليعلنوا بعدها عن معركة “نهروان حوران”، بهدف مقاتلة لواء شهداء اليرموك وحركة المثنّى الإسلامية التي انضمّت مؤخراً إلى لواء شهداء اليرموك للسبب ذاته.
 
وعلى الرغم من الهجوم المباشر من لواء شهداء اليرموك على بلدة تسيل، والذي يعتبر حدثاً لاحقاً، فقد سبقه عمليات اغتيال ومحاولات أخرى استهدفت قياديين من فصائل الثوار وجبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية في المنطقة الجنوبية، كان المتهم بها لواء شهداء اليرموك وكتائب موالية له، حيث كان ذلك شرارةً في بدء القتال.
 
وعلى إثر عمليات الاغتيال تلك فقد شنّ الثوار في منتصف مارس الماضي هجوماً على “جماعة أنصار القدس” المتهمة ببيعتها لتنظيم “الدولة الإسلامية” في مدينة انخل، وتمكّن الثوار من قتل “مالك الفيصل” متزّعم الجماعة إلى جانب ثلاثة عشر من عناصره.
 
كثرت بعد ذلك عمليات الاغتيال في المنطقة، ومحاولة لواء شهداء اليرموك مهاجمة مناطق خاضعة لسيطرة الثوار في المنطقة، ليعلن الثوار في (20 آذار) الماضي عن انطلاق معركة “نهروان حوران” بأمر من “دار العدل” في حوران التي اغتيل مؤسسها “أسامة اليتيم” على يد مجهولين منتصف كانون الأول من العام الماضي 2015، أشارت أصابع الاتهام بها إلى لواء شهداء اليرموك.
وبدأت الاشتباكات بمدينة طفس؛ حيث تمكّن الثوار من القضاء على كتيبة “حمزة أسد الله” التابعة لـ “شهداء اليرموك” بعد اشتباكات سقط فيها عشرون قتيلاً من الكتيبة، على رأسهم قائدها “علاء الأكفت”.
 
وفي اليوم التالي هاجم لواء شهداء اليرموك بلدة تسيل وسيطر عليها دون اشتباكات تذكر، ليقوم اللواء بتنفيذ عمليات إعدام طالت عدداً من أبناء البلدة ممكن كانوا في صفوف الجيش الحر.
 
وبعد ذلك كان تدخّل “حركة المثنى الإسلامية” إلى جانب لواء شهداء اليرموك؛ والتي تسيطر على قرى وبلدات “جلين ومساكن جلين والشيخ سعد وعدوان”؛ حيث فجرت الحركة جسر “هرير”، وأغلقت حاجزها في مساكن جلين، وقطعت الطريق الغربي الوحيد المؤدي إلى تسيل وحوض اليرموك على إثر خلافات قديمة مع الفصائل التي كانت متجهة لاسترجاع تسيل.
 
أثناء ذلك تابع لواء شهداء اليرموك هجومه على مناطق مجاورة، وسيطر على بلدة سحم الجولان، في (23 آذار)، وحاصر بلدة “حيط” التي تعدّ المركز الرئيسي لحركة أحرار الشام الإسلامية في المنطقة الجنوبية.
 
على إثر موقف حركة المثنى الإسلامية إلى جانب لواء شهداء اليرموك، بدأ الثوار في الرابع من نيسان الجاري هجوماً على حركة المثنّى، تمكّنوا خلاله من السيطرة على بلدات جلين ومساكنها والطيرة والمزيرعة والشيخ سعد، واستكملوا فتح الطريق نحو حوض اليرموك.
 

وواصل الثوار تقدّمهم في المنطقة بعد طرد حركة المثنّى التي تراجعت إلى المناطق التي تسيطر عليها لواء شهداء اليرموك”، ليتمكّن الثوار بعد ذلك من استعادة السيطرة على بلدة تسيل في الثامن من نيسان الحالي، وبالتالي فكّ الحصار عن بلدة حيط، وتابعوا التقدّم حتى استعادوا السيطرة على سحم الجولان، وبذلك يكون الثوار قد استعادوا السيطرة على جميع ما تقدّم إليه لواء شهداء اليرموك.

 
تطوّرت المواجهات بعد استعادة الثوار جميع مناطقهم في حوض اليرموك لانتقالهم إلى الهجوم على مناطق نفوذ لواء شهداء اليرموك وحركة المثنّى التي اندمجت في اللواء ذاته، واحتدمت الاشتباكات في بلدة “عين ذكر”، إحدى أهم معاقل لواء شهداء اليرموك، والتي شهدت سيطرة الثوار على سرية عين ذكر في مقدمة البلدة.
 
وقد أشارت إحصائيات إلى أنّ لواء شهداء اليرموك وحركة المثنّى قد خسروا نحو (170) قتيلاً خلال المواجهات منذ بدايتها، وسط تراجع مستمرّ لهم أمام تقدّم الثوار وجبهة النصرة وأحرار الشام.

إنسانيا

وتعاني بلدات حوض اليرموك من نقص في الخدمات العامة وقلة في الموارد الغذائية والطبية والمحروقات، في خضمّ القصف الذي تتعرض له المنطقة من قبل طيران النظام والطيران الروسي، إلى جانب منع النظام وميليشياته وصول الاحتياجات إلى المنطقة.
ومع دخول المنطقة دائرة المواجهات المحلية فقد تضاعفت المأساة أمام المدنيين، كما أسفرت الاشتباكات والقصف المتبادل إلى سقوط عشرات الضحايا بين المدنيين، كما أجبرت الآلاف منهم على النزوح من بلداتهم وقراهم إلى مناطق أخرى.
وقضى تسعة عشر مدنياً بينهم أربعة من عائلة واحدة في قصف من قبل فصائل الثوار على بلدة تسيل بعد سيطرة “شهداء اليرموك” عليها في (21 آذار) الماضي، كما قتل خمسة عشر مدنياً بينهم أطفال في قصف للثوار على مساكن جلين خلال المواجهات مع حركة المثنّى الإسلامية في الرابع من نيسان الحالي.
وسجّلت الاحصاءات نزوح نحو (5000) عائلة من بلدات تسيل وحيط والشيخ سعد وعدوان والشجرة ونافعة التي تشهد اشتباكات عنيفةً وقصفاً متبادلاً بين طرفي النزاع؛ القصف الذي حال دون وصول عدد كبير من النازحين إلى بلدات آمنة، ما تسبّب بلجوءهم إلى الوديان في سبيل الوصول إلى بلدات جلين وتل شهاب وزيزون وعمورية والمزيريب.
وأجبرت المعارك التي قطعت طرقات النزوح عدداً كبيراً من النازحين إلى البقاء في تلك الوديان والسهول، متّخذين من الخيام الصغيرة وبعض الحافلات مأوىً لهم، بينما يمضي بعضهم في العراء، في ظل أجواء وظروف قاسية وسيئة.
وتعاني المدن والبلدات التي نزحت إليها العائلات من ظروف إنسانية صعبة تتمثّل بارتفاع أسعار في معظم المواد الغذائية، وقلة في الإمكانيات الطبية، كما تعاني من شح في المياء وندرة توفّر التيار الكهربائي، بالإضافة إلى صعوبة توفير المواد الإغاثية لدى العديد من المنظمات الإنسانية والجمعيات الإغاثية.

النشاط المدنيّ
أمام ازدياد المصاعب الإنسانية فقد قامت المجالس المحلية في هذه البلدات بتأمين السكن للنازحين عبر بعض المنازل، كما فتحت مدارساً لإيوائهم، وأمنت لهم بعضاً من مستلزمات الإقامة، إضافةً إلى بعض المساعدات الإغاثية.
وأطلقت المؤسسات الإغاثية المحلية نداءات استغاثة ومناشدات لتأمين متطلبات الحياة للنازحين من مواد غذائية ومحروقات؛ لكون المنطقة تعتبر من المناطق الباردة حتى في فصل الصيف، إضافةً إلى ما تمرّ به من المصاعب المعيشية وشحّ الخدمات.
 
وخلال ذلك شهدت بلدة “عدوان” التي سيطر عليها الثوار من قبضة حركة المثنّى دخول قافلة مساعدات إليها، ساهمت في تخفيف بعض العبء على بعض المقيمين فيها، بينما تنتظر المجالس المحلية المزيد من المساعدات الإغاثية.
 
وأطلقت بعض الفعاليات المحلية في المنطقة حملة “بدنا نرجّع بلدنا” تناشد جميع الأطراف بالتوقف عن القتال، وتجنّب القصف على المناطق المأهولة.
وتتخوّف عشرات العائلات التي عادت إلى الأماكن التي استعاد الثوار السيطرة عليها من القصف، مناشدين طرفَيْ النزاع بتحييد مناطقهم من القصف والاشتباكات، والتي ربما ستجبرهم على النزوح مجدداً من مناطقهم.
 
يذكر أنّ المواجهات تكررت في أوقات سابقة بين جبهة النصرة وأحرار الشام وفصائل تابعة للجيش والحر وبين لواء شهداء اليرموك المتهم بمبايعة تنظيم “الدولة الإسلامية”، والذي شهد مقتل متزعّمه “الخال أبو علي البريدي” وعدد من قياداته في تفجير حزام ناسف أثناء اجتماع لقيادة اللواء في منتصف نوفمبر من العام الماضي 2015، ليقبض اللواء على عدد من عناصر جبهة النصرة، وينفذ فيهم الإعدام بالتفجير على الطريقة ذاتها التي اتبعها تنظيم “الدولة الإسلامية” في بعض إصداراته.