حكاية من سوريا : مرهف و رحلته في الدفاع المدني

مراسل سوري _ إدلب

 اسمي مرهف اسماعيل سلات, أعزب عمري 20 سنة

أنتمي إلى مدينة لطالما اشتهرت بالكرم والشهامة ونصرة المظلوم، حالها كحال جميع المدن الثائرة، لا تكاد تهدأ فيها أصوات القصف، فالطيران لا يغادر أجواءها والقذائف فيها لا تهدأ.
أعشق مدينتي بنش عشق المتيم، ولا أفتخر بشيء من بعد الإسلام إلا بهويتي السورية.
ولدت عام 1995 في بنش وهنا كانت بداية حكايتي، أنتمي إلى أسرة متوسطة الدخل حيث كنت أدرس في الشتاء وأعمل خلال العطلة الصيفية، كنت أعمل في مدينة حلب خلال الصيف وأدرس في مدينتي بنش، وهكذا حتى نلت شهادة التعليم الأساسي، وبعدها قررت أن أدخل الفرع الأدبي، ولكن شاء القدر أن تبدأ الثورة عندما كنت في الصف الثاني الثانوي، حيث انتفضت مدينتي في الشهر الرابع من عام 2011، وبدأت مظاهرات الاحتجاج. قررت أن أنضم إلى صفوف المطالبين بالحرية، وخرجت في مظاهرات عديدة.
عندما أصبحت في صف البكالوريا كانت مدينتي محررة، ولكنها كانت على أكثر من خط جبهة ساخن، وكان فحص البكالوريا في مدينة إدلب التي كانت حينها خاضعة لسيطرة النظام، ولذلك لم أستطيع تقديمه عامين متتالين خوفاً من الاعتقال.
في الشهر الثامن من عام 2013 تأسس مركز للدفاع المدني في مدينتي، وعندها قدمت طلب انتساب وخضعت لدورة تدريب محلية وأصبحت واحداً من عناصر الدفاع المدني. كانت رغبتي أن أبتعد عن العمل المسلح والقتل، وأن أقدم شيئاً أفيد به أهل بلدي، وأن يكون لي دور في المستقبل بما أنني تركت الدراسة.

كان القصف يشتد على بنش شيئاً فشيئاً، وكان هناك الكثير من المصابين والشهداء، وتعرض مركز الدفاع المدني نفسه في بنش للقصف أكثر من مرة ولكن إرادتنا كانت أقوى.
لا يمكن تخيل مقدار الفرحة التي كانت تسكن قلوبنا عندما كنا نُخرج شخصاً على قيد الحياة من تحت الركام، وتعرضت أنا وزملائي للعديد من المواقف الخطرة أثناء العمل، ومنها حين تعرض القسم الشمالي من مدينة إدلب لقصف عنيف بالطيران الحربي مما أسفر عن مجزرة بشعةٍ هناك. ذهبت ومعي أربعة من أصدقائي إلى مكان المجزرة، وكانت أكبر مما تصورنا. خمسة بيوت مليئة بالسكان والنازحين دُمرت، كان أقل بيت منها يوجد فيه عشرة أشخاص معظمهم نساء وأطفال، وكان الطيران يقصف المنطقة حولنا بشكل جنوني، ولكننا صممنا على أن نخرجهم من تحت الركام، حيث استغرق العمل ثلاث ساعات استطعنا خلالها إخراج العديد من الأشخاص وهم على قيد الحياة. كان ذلك اليوم هو الأخطر بالنسبة لي حتى تلك اللحظة، وكان متعباً جداً، إلا أننا عندما انتهينا ورجعنا إلى مركزنا كان لدينا شعورٌ بفرحة كبيرة.
تعرضت خلال عملي في الدفاع المدني لإصابتين، أولاهما شظية كادت أن تخترق القلب، ولكن لطف الله حال بيني وبين الموت. بعدها عدت إلى عملي بهمة وعزم أقوى مما سبق، ومنذ فترة ليست طويلة حدثت الفاجعة الكبرى.

لم أكن أتوقع أن يحدث معنا أمرٌ كهذا، كنا ذاهبين أنا ومعي أربعة من أصدقائي بسيارة الإطفاء للعمل على إخماد أحد الحرائق، إلا أن سيارتنا تعرضت لصاروخ حولها وحول صديقي راغب إلى أشلاء. أتذكر الآن الحادثة كما لو أنها حلم أو كابوس، غادرت العالم بضع ثوانٍ لحظة ارتطام الصاروخ بالسيارة، وعندما عدت إليه كنت جالساً على مقعد الإطفائية، وكانت سيارة الإطفاء تلتهب ناراً، ولا أجد أصدقائي داخل السيارة. لم أكن أعي ما حصل لي، ولكنني عندما رأيت السيارة كتلة من نار، وأصدقائي لا يوجد لهم أثر داخلها، توقعت أنهم قد تحولوا إلى أشلاء. وعندما أردت الخروج من السيارة أدركت أن قدمي لم تعد موجودة، إلا أنني صممت على الخروج منها كي لا أحترق داخلها.

كان موقع الحادث فارغاً من الناس، ومن الصعب أن تجد فيه أي شخصٍ لقربه من أحد خطوط الجبهات. عندما تمكنت من الخروج خارجَ سيارة الإطفاء، بدأت بالصراخ علّي أجد أحداً يقدم لي المساعدة، عندها جاء ثلاثة من أصدقائي الذين كانوا برفقتي داخل السيارة، والحمد لله أنهم لم يصابوا بأي أذى، وقدموا لي المساعدة وطلبوا لي الإسعاف. عندما استيقظت من البنج بعد عملية البتر كانت الطامة الكبرى، حيث أبلغني أحد أصدقائي أن راغب قد استشهد حرقاً داخل سيارة الإطفاء.

راغب الشاب المثقف والرجل الطموح الشهم قد أصبح من عداد الشهداء، والآن بعد شهرين من بتر قدمي عدت إلى عملي في الدفاع المدني، استلمت القطاع الإعلامي بهمة وعزيمة أقوى من سابقتها ولن أتخلى عن طموحي وهدفي مهما كلف الأمر. هذه بلادي وتستحق أن أقدم الغالي والنفيس لأجلها.

أبرز هواياتي التقاط الصور وكرة القدم، ولكن قدر الله حال بيني وبين الثانية، ومع ذلك لن ادع اليأس يتغلغل في داخلي، وسوف أستمر بزرع بساتين الأمل.”

11695975_1621791238095102_4030088438280977990_n 11745796_1621791291428430_6745914845944384482_n 11755074_1621791168095109_4724171415491831616_n