حافظ الأسد أعد الموت للسوريين قبل موته

حاول "الأسد" ترسيخ نظامه بتمكين الوجود الإيراني في سوريا

مراسل سوري – آمال سلوم  

لا يخفى على المواطن السوري المتتبع حجم التغيّرات التي طالت البنية الاجتماعية لتركيبة المجتمع السوري منذ مطلع السبعينات، وأثر تلك المتغيرات التي تم إحداثها عمداً عقبة خطط وأهداف بغيةالسيطرة والتسلط.

فما أن تسلم السلطة في بداية السبعينات الرئيس “حافظ الأسد” عقب حقبة تغييرات داخل منظومة الحكم، حتى بدأ بتغييرات للوصول إلى تركيبة منظمة تصب في مصلحة المنظومة الحاكمة، ليكون أول أهدافه إحداث التغيير الديمغرافي الهادف في عدة مناطق في سوريا.

إن أشد ما جذب المتتبع في بداية حكم الأسد، ما سهر عليه النظام من عمل دؤوب لإحداث تغيير في تركيبة المجتمع السوري، وتميّز ذلك التغيير عن غيره من المستجدات التي تحدث عادة عقب الحروب بأنه “تغيير طائفي بامتياز”.

إن الإحداثيات التي عمل عليها حافظ الأسد بداية هي إيجاد بيئة موالية له عقيدياً، تعزز له السيطرة وتدعم حلفائه الذين بدأت بوادر تكوينهم تظهر جلية في المنطقة آنذاك (لبنان – والعراق – وإيران).

كانت انطلاقة النظام من إيمانه بعظيم آثار التغيير الديموغرافي في سوريا، بدءا من عام 1975م، ليعمل بالتنسيق مع بعض المرجعيات الشيعية في لبنان على استقدام بعض العائلات الشيعية اللبنانية مثل “غرير – مرتضى – عقيل – درويش – قاسة – ملحم – الدبس – الحسن – بدور – أسد”، والتي كانت تقطن في المنطقة الحدودية بين البلدين، واستقدامها إلى محافظة حمص، مستغلين فقر تلك العائلات وصعوبة حياتها في مناطق الجرود اللبنانية النائية.

استُقدمت تلك العائلات وتم توطينها في أراض محيطة بمدينة حمص، ومنحها أراض زراعية بنوت عليها منازل وحظائر لتربية الحيوانات بدايةً، ومن ثم توسعوا واستصلحوا قطعا زراعية أخرى.

تصنف تلك الأراضي بأنها “أملاك دولة”، وبذلك تعود ملكيتها للدولة التي يمثلها النظام المسؤول، والذي قام بدوره باستجلاب العائلات، وبذلك غُيب عامل المطالبة والمداعاة بتلك الأراضي.

باتت تلك العائلات المستوطنة (واضعة يد وحائزة قانونية) لتلك الأراضي بعد فترة قصيرة من قدومها، ليستكمل النظام مبتغاه وترسيخ خطة استجلابهم، بمنحهم أوراقا سورية وثبوتيات شخصية، ومما أبعد من ذلك هو “حق المداعاة” لتلك العائلات أمام القضاء لتملّك الأراضي قانونياً.

تظافرت الجهود من كل ناحية وصوب ليؤمّن النظام السوري والمرجعيات الشيعية اللبنانية، كافة المتطلبات لإنجاح أهم إنجازات حافظ الأسد إبان تسلمه السلطة، والتي تكمن في التغييرات البنيوية للمجتمع السوري بما يخدم طموح التسلط والديمومة.

بانتهاء عقد السبعينات من القرن الماضي بدأت تظهر التجمعات السكنية للوافدين بشكل واسع، وببداية عام 1979م بدأت تسمى بالقرى وبأسماء تعرف بها: “الحايك – الدلبوز – المزرعة – الرقة – مزرعة الأمين – الأشرفية – المختارية – الكَم – النجمة – العباسية” وصولاً إلى أكبر تجمع للمستوطنين الجدد “وادي ايران” المتاخم لأحياء مدينة حمص.

لتبدأ الأحداث بعد فترة وجيزة أكثر عمقاً وتأثيراً على المجتمع في محافظة حمص، عقبةُ ما يُعرف باسم”الثورة الإسلامية” التي دخلت بها ايران، لتمتد محافلها إلى تلك القرى وتنشط فيها الندوات الثقافية والدينية.

تم بناء “الحسينيات” وتكرست طقوس العزاء في ذكرى “مقتل الحسين”، وباتت تلك القرى محجّاً لعلماء الشيعة والمنظّرين الداعين للمذهب.

تظافرت الجهود آنذاك لدعم المشروع الديني للمرجعية الشيعية، وهدفَ علماؤهم على استجلاب من هم على غير مرجعية، والظفر بهم تحت خدمة المشروع التوسعي في المنطقة.

قُدمت الكثير من الإغراءات والمزايا المادية والمعنوية (منح دراسية – التقرب من السلطة – والتراخيص والاستثناءات في الدوائر الحكومية) التي تلبي رغبة البعض من أبناء الشعب السوري آنذاك.

كانت نتيجة تلك العطايا انسلاخ بعض العائلات عن محيطها، لتظهر أول حالة “تشيع” عام 1985م وكان ذلك من بعض أفراد “آل عساف” في قرية “الغنطو” المحاذية للقرى الشيعية الجديدة، ومن ثم بعضاً من “آل عبارة” في قرية “الحولة” في حمص.

ليشتد وقع تلك الأحداث أثراً على أهالي المحافظة بإصدار أحد أبناءها -الصيدلي “نبيل فياض”- كتابا بعنوان
“يوم انحدر الجمل من السقيفة”، هذا الكتاب الذي تُظهر كلماته بالغ الإساءة لأصحاب الرسول، وما أن تلقى الانتقادات والازدراء من أهالي مدينته، حتى أتبعه بإصدار كتاب آخر بعنوان “أم المؤمنين تأكل أولادها” مسيئا للسيدة عائشة، نافيا بذلك الأعراف التي ترعرع ونشأ عليها كما وصفه أهالي المدينة من الذين تذمروا مما يؤول إليه حال البعض.

هذا وعمل النظام السوري وأصحاب المصالح في المنطقة على تعزيز قوة الدخلاء ومن يؤيدهم من أبناء المنطقة من مبدأ “الإشباع بالسلطة والرخاء يضمن دوام التبعية”، تم تسلم العميد “مصطفى أيوب ” الشيعي المذهب رئاسة فرع أمن الدولة في حمص من عام 1975م حتى عام 1990م ، الذي عرف بدوره الكبير في دعم أبناء التجمعات المستحدثة، وتأمين الوظائف في مرافق الدولة كافة، وتقليدهم الوظائف الإدارية المهمة.

وزينت مداخل القرى والتجمعات بصور تعتبر الأهم في المرجعية الشيعية أمثال “الخميني – وحسن نصر الله – والإمام الصدر”، وباتوا أيضا يلوحون بأعلام “حزب الله” اللبناني وأعلام إيران في مناسباتهم ومحافلهم السنوية.

وفي سياق ما يذكره أهالي مدينة حمص ما حصل في عام 2006م؛ حيث أقيمت مباراة بين فريقي “الكرامة السوري” من جهة، و “صبابتري الإيراني” من جهة أخرى، رفع فيها أهالي القرى الشيعية علم إيران مشجعين بأصوات عالية الفريق الإيراني، حيث اعتبر أهالي المدينة ذلك المشهد منافياً تماماً لأن تكون تلك العائلات تقطن جوارهم، وأن تكون صاحبة أرض وحق في هذا البلد.

لم تتغير الصفة التي نشأت عليها تلك التجمعات منذ بداية إيجادها وحتى بدء الثورة السورية تجمعات موحدة باختلاف تسمياتها وحدودها المتربصة بالمدن السورية الكبرى، أوجدها النظام السوري لأهداف متنوعة، تبدأ بوضعه أسلاكاً تقطع وحدة أبناء الشعب السوري من جهة، وعاملا مهما لتمرير المشروع الإيراني، والرافد الأساسي لحزب الله بالمقاتلين من جهة أخرى.

ومع بدء “ثورة الحرية” في سوريا كان المشهد الأكثر ترويعاً الذي أبداه سكان تلك التجمعات، حيث أصبحت مناطقهم تلك، مركزاً لتجمع الوافدين من الأفغان ومقاتلي حزب الله، الذين جُهزوا بدورهم ليكونوا سلاح النظام السوري ضد السوريين وحقوقهم التي ناشدوا بها.

أدت تلك الأسلاك البشرية الحاقدة التي أوجدها “حافظ الأسد” مهمتها بأشنع الأساليب والأدوات، لتُعرف عن نفسها بأنها لم تكن يوماً صاحبة أرض أو وطن؛ فما هي إلا أداة متحركة تشبعت بالحقد والطمع منذ نشأتها الأولى.