تنظيم الدولة يباغت القوات العراقية من السماء

بات تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) أكثر اعتمادا على الطائرات بدون طيار، التي يحملها بالقذائف ويرميها على تجمعات القوات المعادية له في العراق، ما دفع الميليشيات العراقية وعلى رأسها قوات جيش الحشد الشعبي (جحش) إلى اتخاذ تدابير، والتفكير في كيفية مواجهة هذه الطريقة المتنامية في هجوم التنظيم.

على جهاز اللاسلكي ينطلق صوت معلنا عن وقوع إصابة جديدة جراء سقوط قذيفة مورتر أطلقها تنظيم الدولة (داعش)، وحدق شرطي عراقي من بين أوراق الأشجار في المواقع المعادية على الضفة الأخرى لنهر دجلة.

وظل الشرطي محني الرأس لكي يتفادى نيران القناصة، لكن عينه كانت تراقب السماء أيضا.

ولم تكد تمضي دقائق حتى أطلق عناصر التنظيم طائرة بلا طيار حلقت فوق رأسه. كانت تستطلع المنطقة، ثم سقطت قذائف المورتر على مسافة قريبة فانطلق الشرطي يعدو بحثا عن منطقة آمنة.

بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء معركة تحرير الموصل، أكبر معاقل التنظيم في العراق، لا يزال التنظيم قوي الإرادة، قادرا على القتل رغم طرده من الشطر الشرقي من المدينة، التي يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة.

ولا يدرك أحد تقريبا مدى الخطر الذي يمثله التنظيم مثلما يدركه مقدم الشرطة فالح حماد هندي، الذي أصدر تعليمات لرجاله بالاحتماء، بينما كانت قذائف المورتر تقترب شيئا فشيئا.

وقال هندي الذي تواجه وحدته في بعض الأحيان 16 هجوما بطائرات دون طيار (الدرون) في اليوم الواحد، بالإضافة إلى قذائف المورتر ونيران القناصة “السلاح المفضل هو الدرون”.

وترابط وحدته المكلفة بالتمسك بموقعها لحين استعداد القوات العراقية لتوسيع نطاق هجومها إلى غربي الموصل، في معسكر تدريبي سابق لتنظيم “داعش”، ومنطقة عسكرية مغلقة على الضفة الشرقية لنهر دجلة.

وقد اكتسب هندي خبرة بكيفية تفكير عناصر التنظيم ونقاط قوتهم، وقدم تقييما صريحا عن قدراتهم بدءا بالقناصة، الذين يمكنه رصدهم بنظارته المكبرة.

وقال هندي لرويترز “القناصة يتمتعون بكفاءة عالية. فهم مقاتلون أجانب والأكثر التزاما”.

وعندما اجتاح التنظيم الموصل عام 2014 وأعلن إقامة “دولة خلافة” على أراض في العراق وسوريا، اجتذب متطوعين من دول بعيدة مثل أفغانستان وتونس، كما انضم لصفوفه كثيرون من المتعاطفين معه في الموصل، ثاني أكبر مدن العراق.

تدريب على المواجهة

بطاطا وتمر

وقد ثار غضب سكان الموصل الذين يغلب عليهم السنة من الجيش العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة، واتهموه بارتكاب انتهاكات واسعة بحق طائفة الأقلية. ورفضت الحكومة العراقية هذه الاتهامات.

واستغل التنظيم هذا الاستياء، فطارد أفراد الجيش والشرطة، وأعدم من وقع في قبضته منهم في إطار تشديد سيطرته على الموصل، واجتذب في الوقت نفسه متطوعين محليين رأوا في التنظيم في البداية حصنا في مواجهة القوة الشيعية.

وكان تدريب المجندين الجدد يتم في الموقع الذي يرابط فيه الآن المقدم هندي ورجاله، والذي كان يضم مشتلا وحديقة للأسرة ومزرعة لعسل النحل مملوكة للدولة.

هنا تعلم المتدربون عقيدة التنظيم وفكره الذي يعتبر أكثر تشددا من تنظيم القاعدة الذي خرج من عباءته في العراق.

ووفرت الأشجار والخضرة الكثيفة غطاء مثاليا من الضربات الجوية، ولذلك ازداد الجهاديون دراية بالسلامة النسبية. وزيادة في الحرص حفر المتشددون نفقا تحت الأرض ودعموه بأكياس الرمل للوقاية من الضربات الجوية.

وبخلاف التدريب على الأسلحة كان الجهاديون يتعلمون الانضباط. وكانوا يجبرون على البقاء في البرد عندما يسقط المطر أو الثلوج.

وقال هندي الذي فقد شقيقه في هجوم شنه تنظيم “داعش” بعض الرجال لم يأكل سوى بضع حبات من البطاطا (البطاطس) في الأسبوع. ولم يكن يسمح لآخرين إلا بتناول ثلاث تمرات في اليوم. وأصبحوا جاهزين للمعركة هنا “.

ويدرس رجال الشرطة تدريب مقاتلي التنظيم المرابطين على مسافة 500 متر على الضفة الأخرى من النهر في مستشفى وفندق من أجل مقاتلتهم.

كما يعتمدون على المعلومات التي يستقونها من سكان غربي الموصل، الذين انقلبوا على التنظيم بسبب قسوة حكمه.

وقال هندي (32 عاما) “يختبئون في بيوتهم ويقدمون معلومات عن الجهاديين. عن تحركاتهم وأسلحتهم”.

والمخاطر شديدة. فقد كان الإعدام مصير بعض المرشدين.

المصدر: هافينغتون بوست