الوزير المسكين جبران باسيل

هنادي الخطيب

“عندما يسكت الحكماء.. يكثر الحمقى”.. نيلسون مانديلا.

مسكين الوزير اللبناني، جبران باسيل، إذ على الرغم من كل جهوده لوضع نفسه في مركز الحدث، أي حدثٍ مهما كان، تذهب محاولاته هباء… عندما أطلق تصريحاته التي وصفت بالعنصرية، عمّا سماها “الجينات اللبنانية”، اعتقدَ أنه سيقفز إلى محور الحدث، وأن الصحافة، على أقل تقدير، ستشبّهه بأشهر فاشيٍّ في التاريخ الحديث، أدولف هتلر، ولكن ما تمناه الوزير اللبناني بدا مستحيل الحدوث، فلا يمكن أن يرد ذكر باسيل وهتلر في الجملة نفسها، فباسيل أشبه بنجل المسؤول السوري الفاسد والمدلل، والذي يقتنع سريعاً وبلا جهد بأي كلمة مديحٍ، مع معرفته أنها قيلت بدافع المصلحة.
أدولف هتلر، قائد ألمانيا النازية، وصاحب السياسات الفاشية التي أدت إلى بدء الحرب العالمية الثانية، وصل إلى قيادة الرايخ، بعد نضال سياسي مرير، وشارك في الحرب العالمية الأولى، الحرب التي شكلت نتيجتها دافعه الأكبر، بعد أن رأى أن ألمانيا أصابها الذل. وسيرة هتلر تشبه الى حد ما سيرة شريكه الإيطالي موسوليني. وعليه، فإن تشبيه جبران باسيل بهتلر لا يستوي، فباسيل لا يمتلك الانتماء الحقيقي للبنان، ولا الثقافة والمعرفة التي تسمح له بصوغ نظرية قومية، كما أن أكبر نضالات باسيل ترافقت مع سخرية اللبنانيين الدائمة، وباءت محاولاته للحصول على لقب سياسي، أو أي لقب آخر بعيداً عن لاحقة صهر الرئيس، باءت كلها بالفشل.
لا يملك الوزير اللبناني المسكين من المقومات ما يجعله مشهوراً سوى بعض جمل مصاغة بشكل سيئ وضعيفة، ومليئة بالأخطاء اللغوية والإملائية. وعلى الرغم من أنه بمناسبة وبلا مناسبة يتفنن في محاولة إقناع اللبنانيين والسوريين، وأخيرا بعض العرب، بعنصريته، إلا أن جهوده تذهب أدراج الرياح، ليصبح وصف “غباء سياسي” أو “طفولة مدلّلة ومتأخرة”، أو حتى “انعدام ثقافي ودبلوماسي” أفضل ما حصل عليه باسيل، على الرغم من غزارته بالإنتاج العنصري ظاهرياً، والسطحي جوهرياً.
يمكن أن يشبه الوزير جبران باسيل، في أحسن أحواله، بعض الشخصيات الأوروبية اليمينية الشعبوية، مثل السيناتور الأسترالي فرايزر أنينغ الذي أصبح معروفا بسيناتور البيض. أو ربما وزير الداخلية الإيطالي، ماتيو سالفيني، من اليمين الشعبوي المتطرّف الذي لا يتردّد برمي التصريحات المتطرّفة، ليشترك الثلاثة، باسيل وسالفيني وأنينغ، باقتصار دورهم السياسي على إثارة عواطف بعض الجماهير، على أمل الحفاظ على نسبةٍ منهم لاكتساب المصداقية والشرعية. ولكن لباسيل خصائص لا يمتلكها الاثنان.
فينفرد باسيل بفشل سياسي ودبلوماسي شبه كامل، وبسلسلة طويلة من الفضائح التي جرّها على البلد الذي يمثله، عدا أنه لم يجد مانعاً، ولا مرة، من قبول العطايا السياسية، من دون أن يبذل مجهوداً حقيقياً للوصول إليها، فحامل شهادة الهندسة المدنية وماجستير مواصلات، والذي يبدو أنه لم يستفد من الشهادتين، لم يأخذ على خاطره، عندما خسر في الانتخابات النيابية عن دائرة البترون عام 2005. ولم ينزعج من خسارته مرة ثانية عن الدائرة نفسها عام 2009، وشعر بالزهو عندما أصبح رئيساً للتيار الوطني الحر، خلفاً لحميه ميشيل عون، ولم تمنعه حقيقة أنه فاز بالتزكية من تصديقه أنه يجب أن يحتفل، وكان الاحتفال الأكبر عندما استطاع باسيل، المعروف لبنانياً بـ”الصهر المدلّل”، الوصول إلى الحكومة، فتسلم حقيبة وزير الاتصالات، ثم حقيبة الطاقة والمياه مرتين، ثم وزيراً للخارجية، واستمر يحمل حقيبة الخارجية، منذ العام 2014. وهذه فجرت على اللبنانيين كوارث فضائحية، أولاها في العام نفسه عندما خرج فيديو مصوّر لباسيل، وهو يقدم القائمة بأعمال بعثة بلاده في الأمم المتحدة، كارولين زيادة، لنظيره الإماراتي عبد الله بن زايد، بطريقة ذكورية مليئة بالإيحاءات الجنسية المهينة لمواطنته، والبعيدة عن الانفتاح والثقافة التي يدّعيها الوزير، ليخرج بيان موقع من إحدى عشرة جمعية وهيئة لبنانية، يطالب بإقالة باسيل الذي تمسك بالكرسي “الهدية”.
وفي عام 2017، عاد باسيل وتسبب بإحراج هائل للبنانيين، في كلمته في مركز وودرو ويلسن في واشنطن، إذ أظهر انحدارًا غير مسبوق في الدبلوماسية اللبنانية، وعكس كلامه ضحالة ثقافته، ونقصاً مخيفاً في معلوماته! عندما قال إن لبنان يحارب تنظيم الدولة الإسلامية منذ أكثر من مائة عام، وأن هذه الحرب أجبرت ثلث اللبنانيين على الهجرة في العام 1915، فيما مات الثلث الثاني “تحت الحصار” في الحرب العالمية الأولى، والثلث الثالث هو الصامد في الأرض اللبنانية. وغني عن الذكر أنه في ذلك الماضي لم يكن ثمّة تنظيم الدولة الإسلامية، ولا من يحزنون. وفي شهر يونيو/ حزيران الماضي، صدمت اللبنانيين طريقة معالجة الوزير باسيل مسألة تسريب مراسلات دبلوماسية في وزارته إلى الإعلام، إذ بدلاً من إصلاح الخلل الإدراي، اشتكى على موظفي وزارته، ما أدى إلى قيام جهاز أمن الدولة اللبنانية بـ”غارة” أمنية على الوزارة.
وزير الفضائح الذي يبدو أنه يريد طي صفحة الفضائح المتكرّرة، بالاتجاه إلى التصريحات العنصرية، لم ينجح في إلهاء اللبنانيين عن ضربه عرض الحائط بالأعراف الدبلوماسية، وإنما وضعته في خانة جديدة، لم يتوقعها هو نفسه. وبدل أن ينشغل الجمهور بعنصريته فقط، بدأ الوزير المذكور بإخراج فضائحه السابقة، وتغريداته العصابية للتذكير بها، خصوصاً مع تسجيله سابقة في اضطهاد حرية التعبير، وملاحقة الصحافيين الذين أنقدوه، واستصدار أحكام قضائية ضدهم.
اختار باسيل الفئة الأضعف، اللاجئين السوريين، لاستخدام مواهبه الشعبوية، ظناً منه أن هذه الفئة لن تجد الأخلاق الكافية في لبنان لنصرتها، ولكنه أخطأ بشدة في تقديراته، وأكثر من ذلك، التصقت فيه صفة السذاجة السياسية، واللاأخلاق، ووزير الفضائح، أكثر مما التصقت فيه صفة القوي أو المحب لبلده..
فشل في تقمّص شخصية العنصري الحقيقي، لأنه انطلق من فراغ عقلي وأخلاقي وثقافي، ولم يحمل في “جيناته” أياً من صفات القائد القوي، حتى لو كان مجرماً. ولربما كان وجد من يحترمه، لو أنه لم يهرول للوصول إلى الصفة الأكثر بشاعةً ورفضاً عالمياً، والتي جعلت بلداً أوروبياً، مثل ألمانيا، غارقا في التكفير عن ذنب عنصرية جزءٍ من تاريخه. وربما وجد باسيل من يحترمه، لو أنه حمل مؤهلاتٍ قليلة، ولو بالحد الأدنى، وزيرا لبنانيا يمثل بلده في العالم، بدلاً من تبجّحه يميناً وشمالاً بكلام أجوف، ينم عن مدى ضحالة مطلقه وانعدام ثقافته.
ربما كان سيستفيد لو أنه قرأ كلام أدولف هتلر وفهمه: “إن العقول الفارغة تحكم على المظاهر”.