الواقع الثوري بين الحرية والتشريع

مراسل سوري – حنان الطويل

 

وجدت “أم عمر” (22 عاما) مع دخول الثورة السورية عامها السادس -وهي ابنة أحد قادة الألوية في منطقة “عمورية” في الريف الغربي المحرر من درعا- نفسها مسؤولة عن طفل لا يتجاوز السنة الأولى من عمره في وقتٍ غاب والده عن رعايتهما.. والسبب
 
كامرأة سورية مطلقة غيابيا في محكمة شرعية من زوج شاءت ظروف الحرب في سورية أن يعمل شبيحاً لدى النظام في منطقة “خربة الورد” بدمشق تقف الثورة أمام هذه الحالة الاجتماعية وما شابهها من حالات الزواج والطلاق حائرة في الإجابة عن أسئلة وجودية تتعلق بأهمية الزواج وما يترتب عليه من بناء دولة في المناطق المحررة، وعن أسئلة حول كيفية إدارة وتنظيم مثل هذه المشاكل الاجتماعية.
 ولم تعد أسباب الزواج ذاتها عما كانت عليه قبل الثورة، فقد تغيرت الظروف وتغيرت الحاجات، وأصبح الزواج بالنسبة إلى فتاة لا تتجاوز العشرين من العمر -استفاقت على وضعها الجديد وهي زوجة الشهيد وأم لولد أو عدة أولاد وفي ظل ظروف معيشية صعبة- حاجة ضرورية واقعية في تامين مستلزمات الحياة الطبيعية، أو الأقل من طبيعية، وسد ثغرة دور الأب في التربية.
 
في المقابل نجد إن حاجة الشاب في المناطق المحررة البعيدة كلَّ البعد عن مستوى الحياة الطبيعية من تعليم أو مهنة متداولة، وهو الذي في الغالب منتمٍ إلى الجيش الحر، وتعامله مع السلاح والحرب والموت قد ارتد عليه؛ لكونه في المحصلة بحاجة إلى ما يشعره بوجوده الإنساني والطبيعي.
 الزواج أصبح حلاً لمشكلةِ فقدانِ الشباب في الحرب، وزيادةِ نسبةِ الفتيات غير المتزوجات، الأمر الذي أدى لوجود ظاهرة تعدد الزوجات، وهي ليست بجديدة عن المجتمع السوري، لكنها انتشرت بكثرة في الآونة الأخيرة، واقتصرت في غالب الأمر على من يمتلك القدرة المادية على إعالة منزلَيْن وعدد أكبر من الأولاد، وهي فئة معينة ممن يعمل لدى مؤسسات “ثورية” من ائتلاف وحكومة مؤقتة أو قادات الفصائل العسكرية، وهي فئات ازدهرت أمورهم المادية بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الفائتة.
 
ولا يغيب عن المشهد في المناطق المحررة انخفاض تكاليف المهر، حيث تقلص إلى درجة انعدامه مقابل الأخلاق الجيدة والدين، وغياب تام للحفلات المكلفة سابقا، في ظل الدماء النازفة منذ اندلاع الثورة.
 أما مكان الإقامة فقد اقتصرت خياراته في الإقامة مع العائلة الكبيرة، بما تحتويه من ترتيب تنازلي للأعمار من الجد إلى الحفيد، الأمر الذي يسَّر الزواجَ في سن مبكرة؛ سن تُوعِد بخصوبة النسل التي تأتي نتائجها غالباً بعد سنة بإنجاب الطفل الأول؛ طفل موجود في الحياة، لكنه لا يملك هوية شخصية ولا أوراق ثبوتية بسبب افتقار تلك المناطق لدوائر السجلات المدنية.
 
وأمام ما سبق فإنّ من البديهي فيما لو كان والد ذلك الطفل -على سبيل المثال- أحد عناصر الجيش حر، أو يكفي في الكثير من الأحيان أن يكون منتمياً إلى منطقة محررة ليكون ذلك ذريعة لاعتقاله.
 وباعتبار ذلك يبقى السؤال الأهم عن مستقبل أطفال غير قادرين على إكمال تعليمهم المتوقف عند الشهادة الإعدادية، فهم غير موجودين في السجل المدني السوري، فكيف يمكنهم التقدم إلى الامتحان؟.. ويعد هذا سبباً يجعل الكثير من الآباء يرفضون عنصراً من الجيش الحر تقدم للزواج من إحدى بناتهم.. حتى لو كان ذا أخلاق حميدة.