الموصل وضحايا الحرب المقدسة

مراسل سوري – هنادي الخطيب – جيرون

ما بين العراق وسورية ظهرت “داعش”، وكأنها وحش خرافي نزل من السماء، فادعى كل ساسات العالم النخوة، وهبّوا يُعلنون الجهاد المقدس ضد “داعش”، في سورية والعراق. وقُتِل مئات الأبرياء العراقيين في يوم واحد نتيجة غارات التحالف، وآلاف مؤلفة خلال سنين طويلة بعد غزوة بوش للعراق، وآلاف في سورية، والشعار نفسه “نحارب ‘داعش’ لننقذ الإنسانية من الإرهاب”.

يكاد المتابع لزوبعة التصريحات حول المجزرة التي ارتكبها التحالف الدولي في الموصل في 17 آذار/ مارس أن يُصدّق أن ثمة حقوق للإنسان يجري التحقيق بشأنها، أو محاولة إيجاد الحقيقة التي دفنت تحت ركام المنازل، تلك المنازل التي سقطت على رؤوس ساكنيها والمختبئين فيها، فحولتهم إلى أثر بعد عين، وإلى أرقام لجثث فحسب، ومقابر جماعية لمّت الأشلاء، وربما ذهبت يد شخص مع قدم آخر تحت التراب.

غارة للتحالف الدولي في الجانب الغربي من الموصل، بناء على إحداثيات من الحكومة العراقية، والضحية 500 مدني، ولكن سرعان ما تضاربت التصريحات، فذكرت منظمة العفو الدولية أن مئات من المدنيين العراقيين قتلوا في الموصل، وقالت إن الغارات الجوية التي شنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على مواقع تنظيم “داعش” بالمدينة العراقية، ربما تشكل انتهاكا للقانون الدولي.

أما البنتاغون، فأعلن عدم تخفيف قواعد الاشتباك في القتال ضد “داعش”، وسط رفض للإقرار بأن تكون الطائرات الأميركية قد تسببت في مقتل عشرات المدنيين غربي الموصل.، وقبل ذلك كانت الإدارة الأميركية وضعت احتمال أن تكون غاراتها هي المتسبب بتلك المجزرة، وأنها وضعت الأمر قيد التحقيق.

أما التصريحات الصادمة للعراقيين، ولكل من تابع تلك الصور والحزن الخارج من الموصل، فكانت تصريحات رئيس وزراء العراق حين قال: إن “مجزرة الموصل ادعاءات لإنقاذ داعش”، وقبل تلك التصريحات كانت منظمة العفو الدولية نشرت شهادات من بعض الناجين من تلك المجزرة الرهيبة، ولعل أبرز هذه الشهادت شهادة “وعد أحمد”، وهو أحد سكان حي الزهراء شرقي الموصل، واحد من كثير من المدنيين الذين اتبعوا نصيحة الحكومة بالبقاء في منازلهم، بحسب المنظمة. وقال وعد “اتبعنا توجيهات الحكومة التي أبلغتنا بالبقاء في منازلنا وعدم النزوح”، وأضاف “سمعنا في الإذاعة التوجيه الآتي: (على السكان الذين ليس بوسعهم فعل شيء مع داعش البقاء في منازلهم) … وكذلك أُلقيت منشورات عبر الطائرات. وكان ذلك هو سبب بقائنا في منازلنا”.

الواقع يقول اليوم، ثمة مجزرة حدثت هناك، وثمة 500 مدني قتلوا ظلمًا و”خطأ”، و”استخدام “داعش” لللمدنيين دروعًا بشرية بات أمرًا واقعًا، ولا يحتاج لإثباتات”، ومن ثم؛ الذريعة التي تستخدمها الحكومة “العراقية أو الأميركية”، بأن “داعش” هي من أجبرت السكان على المكوث في منازل انتشر عناصر التنظيم على أسطحها ليتم استهدافها، هي ذرائع واهية وضعيفة ولا تعني شيئًا، خصوصًا وأن كلتا الدولتين المسؤولتين عن ارتكاب المجزرة تراجعت عن قرار إيقاف القتال في الموصل.

وفي كلا البلدين التوأمين، سورية والعراق، يظهر سؤال جليّ بسيط: هل هبطت “داعش” من السماء فجأة؟ فبعد ثلاث سنوات في العراق و300 ألف جندي، وأكبر حملة عسكرية في العالم منذ السبعينيات، أشعرنا جورج بوش في 2007 أنه فجأة اكتشف ما كان يسمى “الدولة الإسلامية في العراق”، وأعلن حربه الضروس عليها؛ وفي سورية، وأيضًا بعد ثلاث سنوات، بدأ صراخ القادة السياسيين من أوباما في مكتبه البيضاوي وصولًا إلى بوتين في مكاتب ستالين، وما بين الامبراطورين من زعماء: “نريد محاربة داعش”. المتابع البسيط يشعر نفسه أنه أمام صف من البسطاء الطيبين السذج، ممن لم يروا خطر الإرهاب القاعدي، وتنامي دعوات وتقاطر الجهادية “الإسلاموية”. هل فعلًا يحكمنا السذج في كل العالم، أم أن البشر في القرن الواحد والعشرين باتوا أكثر سذاجة؟

لنحاول أن نخرج من أنانيتنا ولنضع نفسنا مكان الآخر، المسكين دونالد ترامب، وبعد انتصاره الإلهي في الانتخابات الأميركية، يكاد ينهي الـ 100 يوم الأولى دون إنجازات ضخمة يحتفل بها الإعلام، إنه بحاجة لإنجاز ما، وضرب الإرهاب الإسلامي كان من أهم شعاراته، أفلا يحق له بعض الانتصارات؟ في سورية لا يستطيع لوحده قطف هالات النصر على “داعش”، فصديقه الشخصي بوتين أيضًا يشاركه، وأيضا بوتين بحاجة لانتصار واضح على “داعش”، فمظاهرات الروس ضد فساد نظامه تقلقه، وليس أدرى منا -السوريين- بما يعنيه أن يقلق أحدهم.

إضافة إلى أن للأميركيين وحلفائهم في الناتو تاريخ من “العدل كبير” عند قياسه بتاريخ روسيا، فهم كانوا يدفعون للضحايا المدنيين الأفغان؛ نتيجة أخطاء نيران التحالف 2500 دولار لكل ضحية، وألف دولار لكل جريح، طبعًا هذا إن أقرت لجانهم العسكرية والقضائية بذلك. هم لم يدفعوا بعد في العراق، ولن يفعلوا في سورية، فلماذا هم ملزمون بالتعويض، بينما بوتين يُصرّ أن لا ضحايا مدنيين. ولا يخطرنّ ببالكم أن تقارنوا هذه المبالغ بنحو 8 ملايين دولار لكل ضحية من ضحايا الطائرة لوكربي، القذافي كان كريمًا، فما ذنب الأميركيين؟ ألم يصمتوا مع الأوروبيين صمتًا مطبقًا يوم أسقط بوتين طائرة الخطوط الماليزية فوق أوكرانيا في 2014، وعلى متنها 180 مسافرًا غربيًا؟

لنكن صادقين مع أنفسنا أكثر، فهم، أي: الآخرون الذين يتقاتلون فوق أرضنا ودمائنا، لن يروننا سوى أرقامًا، لكن كيف نرى أنفسنا أناسًا نعيش على هذه الأرض؟ ألن نجد بين ظهرانينا الآن من يسوّغ قتل أبرياء الموصل؟ ألم نسمع من كان يسوغ لصدام مجازر الأكراد؟ ألا زلنا نسمع من يسوغ لـ “داعش” ومن شابهها على أكبر فضائياتنا؟ ألا يوجد من يسوّغ لبشار قتل نصف مليون، وسيسوغ له مليونًا آخر؟ ألا يوجد من يسوغ قتل سوريين وعراقيين بين واقعات الحرب بين أمراء الفصائل؟

إن كنا لا نريد أن نبقى ضحايا جانبية لمعارك الآخرين ومعاركنا، يجب علينا نحن أولًا ألا نرى أي ضحية هي ضحية الضرورة، أميركا قتلت في ساعة واحدة 300 ألف ياباني، وللآن لم تعتذر رسميًا، وروسيا قتلت مئات الآلاف في حروب قيصريتها السوفياتية والبوتينية، ولم يرف لقاداتها جفن، لن نتوقف عن لوم ومحاكمة السياسة الأميركية والروسية، وكل ساسات العالم الذين يقتلون، لكن لنبدأ من بين قلوبنا ودمائنا، فلا نقبل ضحايا الضرورة والمعركة المقدسة.

رابط المادة