الكرملين ربح الجولة الأولى

مراسل سوري – علاء الدين الخطيب

بعد خمسة شهور ونصف من الغزو الروسي لسوريا، بوتين يفاجئ العالم بإعلان انتصاره في سوريا وتحقيقه لأهدافه في مدة قياسية كما وعد ببداية الغزو، وبالتالي فقد قرر سحب جزء من قواته في سوريا. مع تأكيده على بقاء قاعدتين عسكريتين روسيتين في حميميم وطرطوس، بعد إعداد استقبال كبير للعسكر العائدين لروسيا كأبطال.

تسارعت الأقلام والإعلام العربي لتفسير هذا الإعلان وفق عواطف متابعي كل جانب. فالمعارضين للنظام السوري أحبوا أن يروا بالانسحاب الروسي تخليا عن الديكتاتور السوري وهزيمة روسية، بل ذهب بعضهم أن أمير البحرين بزيارته الأخيرة لموسكو نقل تحذيرا شديدا من الحكومة السعودية مدعوما بمناورات ما سُمي رعد الشمال مما أرعب الدب الروسي. أما الجانب الآخر، فهو يبدو أكثر تخبطا في كيفية نقل الخبر، فلم يجد سوى الادعاء أن “أصدقاء سوريا وحماة حقوق الإنسان” في الكرملين قد أدوا واجبهم وغادروا. لنحاول أن نرى هذا الإعلان البوتيني على أرض الواقع وميزان القوى وليس وفق الأهواء والأماني.

من الناحية الروسية

لقد اعتمدت سياسة بوتين خاصة بعد الأزمة المالية العالمية على التركيز على السياسة الخارجية لاستعادة قطبية الاتحاد السوفيتي القديمة كأداة تجييش شعبي أساسية للشارع الروسي الذي ما زال يعيش تحت سيطرة فكرة أن المؤامرة الشيطانية الغربية هي سبب انهيار القوة السوفيتية العظمى. فرغم كل المشاكل الاقتصادية الروسية بسبب العقوبات الغربية الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط وانهيار الروبل وارتفاع التضخم فإن شعبية بوتين في الشارع الروسي ما زالت بمستويات عالية. هذه الشعبية تأتي أساسا من التركيز الإعلامي على “عبقرية” بوتين في استعادة دور روسيا الخارجي سواء في الشيشان أو جورجيا أو أوكرانيا وأخيرا في سوريا. 

من ناحية ثانية، تمثل سوريا بموقعها الجيوسياسي والحلف الاستراتيجي الوثيق للنظام السوري مع النظام الإيراني، وهو حليف روسيا الاستراتيجي في وسط آسيا، الحلقة الأهم في سلسلة تحالف عمل عليها بوتين والقيادة الصينية خلال العقد الماضي بقوة وتركيز كبير تمتد من روسيا والصين لتشمل وسط آسيا وصولا لإيران وانتهاء بسوريا على البحر المتوسط .

وأهمية سوريا بالنسبة للمصالح الاستراتيجية الروسية لم تتراجع الآن، بل بالعكس فقد ازدادت أهميتها بعد دخول العلاقات الروسية التركية مرحلة الغليان. وضمن هذه الاستراتيجية فإن هدف بوتين ما زال تحسين العلاقات مع الغرب التي تصدعت بعد غزو أوكرانيا.

هاذان الهدفان (زعامة بوتين الشعبية، ومصالح روسيا) كانا المحرك الأساسي لدى الحكومة الروسية للتدخل العسكري المباشر في سوريا لإنقاذ النظام السوري وقلب موازين القوى داخل سوريا لمصلحة النظام. وقد استثمر بوتين هذا التدخل على المستوى الداخلي الروسي لزيادة شعبيته كقيصر روسيا العظمى وكحامي للشعب الروسي من التطرف الإسلامي والقاعدة، فالشارع الروسي مثل الغربي أصبح مثقلا أيضا ببعبع القاعدة وإرهابها. واستغله خارجيا أمام الأوروبيين والأمريكيين لفرض روسيا كقطب عالمي قادر على الفعل والتغيير. وليثبت أن إقصاء روسيا عما سماه الأمريكيون “الحلف الدولي ضد داعش” وبالتالي عن الساحة السياسية العالمية كان خطأ كبيرا.

استطاعت الحكومة الروسية تحقيق الهدف الأول بقلب موازين القوى وتجميد الوضع العسكري داخل سوريا تحت مظلة القرار الدولي لإيقاف الأعمال العدائية، فمن الناحية الأولى استطاع النظام العسكري وحلفائه استعادة جزء مهم مما خسروه حتى صيف 2015، وبنفس الوقت وضمن التوافق الأمريكي الروسي على تعريف المليشيا الإرهابية استطاع ضمان إبعاد احتمالات هجومات مضادة على قوات النظام وحلفائه. عدا عن المساعدة على تسريع الانقسامات السهلة بين المليشيات الإسلامية. على الصعيد الدولي استطاع بوتين فرض محورية الدور الروسي السياسي والديبلوماسي في حلحلة الأزمة السورية وأعاد روسيا لتكون لاعبا أساسيا على الساحة الدولية خاصة بعد توريط تركيا بجولة توتر خطيرة مع روسيا (للمزيد انقر هنا).

الناحية الأهم، إن انسحاب الروس الجزئي من سوريا سيضع الولايات المتحدة والغرب وحيدين في مواجهة أزمتين كبيرتين في المنطقة. الأولى هي محاربة القاعدة ومنتجاتها بسوريا بدون وجود قوة برية حقيقية موثوقة تعمل معهم. والثانية هي إيجاد حل للقلق التركي الكبير حول المشكلة الكردية، فالغرب لا ينوي التخلي عن حلفائه من القيادات الكردية في شمال سوريا خاصة وأنهم اثبتوا فعالية أكبر في التنسيق مع الضربات الجوية الغربية، وبنفس الوقت لا يستطيع الغرب أيضا إغضاب تركيا الرافضة بشكل قاطع للسيطرة الكردية على الشمال السوري. هاتان الأزمتان كانتا متقاسمتين بين الناتو وبين روسيا، لكن بعد هذا الانسحاب فإن الحجة الروسية قد تلاشت من كروت اللعبة. ولعل هذا يوضح أكثر التقارب الكبير بين تركيا وبين إيران وأذربيجان وهما الحليفان الاستراتيجيان لروسيا حول الجغرافية التركية. طبعا هذا لا يعني أن الغرب بورطة ضخمة، فالسياسة الغربية قادرة على التعامل مع هاتين الأزمتين على المدى الطويل، لكن ما ربحه الكرملين هو أنه سيكون شريكا أساسيا معترفا به من قبل الغرب في التعامل مع سوريا ومع إيران، وأخيرا في خلخلة الموقف التركي أمام الأوربيين بعد فقدان تركيا لثاني أكبر شريك تجاري وهو روسيا.

أخيرا فإن الكرملين قد تعلم من الماضي دروس التدخل العسكري بالدول الأخرى، سواء تدخلات روسيا نفسها أو تدخلات الناتو، فلا موجب حقيقي لزيادة احتمالات خطر مستنقع أفغاني أو عراقي عسكري طالما أن الأهداف الكبرى بدأت تتحقق. ورغم أن كلفة غزو سوريا لم تتعدى 3% من الميزانية العسكرية الروسية للعام 2016 إلا أن توفير بعض المال أيضا مفيد.

من الناحية السورية:

يمكنني الجزم وفق ما سبق عن السياسة الروسية، ووفق حركة الإعلام الروسي حول سوريا وحول الديكتاتور السوري بأن لا نية روسية لاستخدام هذا الانسحاب الجزئي للضغط على بشار الأسد. فالنظام السوري متجاوب تماما مع الحركة الروسية. والكرملين لا يحتاج لتحييد كل أهدافه الكبرى ويتخذ هذا القرار العسكري الكبير فقط للضغط على ديكتاتور يرأس نظاما متهاويا غارقا بدم شعبه. الأسلوب الروسي في سوريا ما زال هو العمل من خلال النظام السوري القائم، وهو الأسلوب الإيراني ذاته.

هل هذا يعني الوصول لحل في سوريا؟ يمكن القول إن الحل النهائي ما زال بعيدا، لأن الخلافات الروسية الغربية مضافا لها التركية ما زالت بمراحلها الساخنة، عدا عن الخلافات مع الحكومة السعودية. لكن ما يحصل بجنيف الآن هو البدء بعملية الحل ووضع الأسس لبناء الحل النهائي عندما تتوافق حكومات هذه الدول على صيغة ما لإعادة الاستقرار إلى سوريا. هذه الصيغة ستتدرج ضمن حكومات انتقالية بين النظام وبعض المعارضة وبعض الفيدرالية التي ستضمن لتركيا سيطرة ويدا طولى في الشمال السوري وسيطرة لإيران من حدود العراق وصولا لساحل المتوسط السوري واللبناني. وهذا لن يتأتَ إلا بعد حل الأزمة الروسية التركية وتخفيف التوتر السعودي الإيراني.

طبعا من نافل القول إن المراهنة على قيادات المعارضة السورية الحالية بكل مشاربهم أو قادات المليشيات الإسلامية سواء المسماة المتشددة أو المعتدلة هي مراهنة فاشلة، فهم بالنهاية وبعد تجربة 5 سنين ليسوا أكثر من بيادق تائهة أو مستفيدة على رقعة الشطرنج السورية. الأمل الوحيد المتبقي للسوريين هو حركة وعي ضخمة تستطيع بعد سنين إعادة قلب الطاولة وتأمين مستقبل أفضل لأطفال سورية.

رابط المقال