الفلتان الأمني في إدلب… “الحوادث الفردية” تغدو ظاهرة

مراسل سوري – جيرون – هنادي الخطيب

تختلف التفسيرات لحالة الفلتان الأمني في مدينة إدلب وريفها، ولكنها تتفق على وجودها، وإن كان بنسب مختلفة، وتتفاوت تلك النسب تبعًا لانتماء المتحدث، ما بين الفصائل والسكان.

انتشار الجرائم في إدلب وريفها، إضافة إلى ريف حماة أصبح ظاهرة شبه عامة، ولم يعد تصنيف “حوادث فردية” ينفع لتوصيفها، وبحسب مراقبتنا لمعدل تلك الجرائم، فإنه يقع ما بين سرقتين إلى ثلاثة يوميًا، إضافة إلى عمليات الاختطاف والقتل، وتتركز السرقات على الدراجات النارية والسيارات، مع انتشار عصابات ملثمة في مناطق بريف حماة تقوم بقطع الطرقات وسرقة الناس بطريقة “التشليح”.

لابدّ من التذكير بأن إدلب وريفها، هي المعقل الأساسي لـ “جيش الفتح”، إضافة إلى “جيش إدلب الحر” الذي تشكل أخيرًا من اندماج 5 فصائل، معه “لواء الحق” و”جيش الإسلام” و”جيش السنة”، و”الزنكي” و”أجناد الشام” و”التركستان” و”أجناد القوقاز” و”جيش المجاهدين”، ما يعني عددًا كبيرًا من الفصائل المسلحة، دون قيادة موحدة أو قضاء أو حتى هيئة شرعية واحدة.

جرى تداول أخبار في وقت سابق، عن وجود قضاء وهيئة شرعية وشرطة في إدلب وريفها، ونذكر جميعًا تركيز الإعلام على أحكام الهيئة الشرعية التابعة لـ “جيش الفتح”، فما الذي جرى، وأين اختفت الهيئة، ولماذا غُيّب دور القضاء والشرطة.

بحسب القائد الميداني في “جبهة فتح الشام”، فضّل عدم ذكر اسمه، وسنرمز له بالحرفين (و. ت) ، أن السبب الرئيس لهذا الفلتان الأمني هو “كثرة الفصائل والمحسوبيات”، وإن كان (و. ت) لمّح إلى أن المحسوبيات سببًا رئيسًا للفلتان الأمني، إلا أنه أشار مستدركًا إلى “قيام الإعلام المحسوب على الفصائل بتشويه نقل الموضوع وتحويله من موضوع أمني إلى موضوع فصائلي”، وأضاف لـ (جيرون) أن “ثمة إعلاميين محسوبين على فصائل أخرى، نقلت أخبارًا غير صحيحة عن قطع الجبهة للطرقات، وتحضيرها لمهاجمة مقرات الفصائل الأخرى، وهو ما حدث أكثر من مرة، والحقيقة أننا كنا نقوم بقطع الطريق فعلاً بعد أن  نسمع عن سرقة او اختطاف، للقبض على الفاعلين وليس لمهاجمة أي فصيل آخر”.

من جهته وضع القائد الميداني في بنش (أ. ج)، اللوم على الفصائل نفسها، لجهة “عدم القدرة على توحيد القوى الأمنية؛ بسبب تعدد الفصائل وتبعثرها، ومن ناحية أخرى وجود السلاح وانتشاره بيد عامة الشعب، وأخيرًا؛ فإن السبب هو ضعفنا أمنيًا وسهولة اختراقنا لوجود بعض النفوس الضعيفة التي يسهل إغراؤها بالمال”.

يواجه سكان إدلب واقعًا لا يجد من يضبطه وتستمر الجرائم، من العثور على فتاة من كفر نبل، في قبو يبعد عن منزلها 50 مترًا، أضرمت النار في جسدها وبقيت تحترق إلى حين وصول الأهالي وإسعافها إلى المشفى، وكانت الفتاة خطفت من امام منزلها في ريف إدلب، من مجموعة ملثمة تستقل سيارة “فان”، علمًا أن الفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، والحادثة عمرها حوالي الأسبوعين فقط.

ومن حادثة الفتاة إلى عشرات الحوادث الأخرى، إلى العثور على جثث شابين من مدينة كفر نبل في منطقة ما بين معرة حرمة وترملا، وصولاً إلى العثور على ثلاث جثث لشباب مقتولين ضمن سيارة سوزوكي على طريق باب الهوى- حزان، وكل الحوادث التي ذكرناها الآن حدثت خلال أيام.

مسؤولية ضبابية

توجهنا بالأسئلة حول التدهور الأمني إلى “أحرار الشام”، الفصيل الأقوى ضمن جيش الفتح والأكثر عددًا، وكان الجواب يخفف من حجم المشكلة، وبحسب أحمد قره علي، الناطق الرسمي باسم “أحرار الشام”، فإن “الوضع الأمني ليس بهذا السوء، فإدلب صغيرة جغرافيًا ولكنها مكتظة بالسكان، سواء في المدينة أم الريف، وزاد الاكتظاظ السكاني بسبب التهجير القسري الذي مارسه النظام من مختلف المناطق السورية باتجاه ادلب”.

وتابع أنه في ظل الأوضاع التي ذكرها “من الطبيعي أن تعاني المنطقة من إشكالات أمنية، وخاصة أننا في حرب وأعداء الثورة كثيرون، من نظام الأسد المجرم إلى داعش”.

وعن سؤالنا عن أن الوضع الأمني سابقًا لم يكن بهذا السوء، خصوصًا وأن المعلومات حول طريقة الحكم، أو تسيير الأمور في إدلب، هو أمر يكاد يكون مجهولًا لمن خارج إدلب، قال قره علي لـ (جيرون: إن “إدلب تخضع لإدارة مدنية تنسق مع غرفة عمليات (جيش الفتح)، الذي حرّر المدينة، ومن ثم؛ فإن هذه الإدارة ليست خاضعة لإدارة فصيل بعينه”، وعن وجود القضاء والشرطة أكد قره علي أنه يوجد قضاء وشرطة في إدلب “وهي تقوم بدورها ضمن الإمكانات المتاحة، وتتلقى الدعم والمساندة من الفصائل عند الضرورة”.

لا تجد “أحرار الشام” أن الوضع الأمني متدهور، في حين أن “فتح الشام” ترمي جزءًا من المسؤولية على طريقة تناول الأخبار، وتُحّمل الجزء الآخر للتشتت بين الفصائل وكثرة الوافدين إلى إدلب، كما يرى القائد الميداني (و. ت)، فقد أضاف أن “زيادة السكان جعل من الصعوبة بمكان، التمييز بين من هُجر من مدينته، وبين من أرسله النظام للتخريب”.

إتاوات ومحسوبيات

على الجهة الأخرى، تطرح مجموعة من الآراء للقاطنين في تلك المناطق، الذين يرون أسبابًا أخرى بعيدة عن الكلام الإعلامي لـ “الأحرار” و”فتح الشام”، إذ يرى محمد. س، من كفر نبل أن سبب هذا الانفلات هو “كثرة الحواجز دون فائدة، فمهمتها فرض إتاوات ورسومًا دون أي تدقيق أمني”، وفي ريف حماة يرى أحد عناصر “فتح الشام” أن المشكلة تكمن في خلايا نائمه، “زرعها النظام وخلايا أخرى تتبع للمفسدين، أمثال جمال معروف؛ لزعزعة استقرار الأمن ولزرع الفتنه بين الفصائل”، ويأتي الجواب من أحد شباب مدينة بنش، مغايرًا لما قيل سابقًا، فالسبب هو “انشغال الفصائل بالمشكلات فيما بينها، وإهمال الجانب الأمني وأمن الناس”، إضافة إلى وجود الضغينة “بين الفصائل ولتصفية الحسابات فيما بينهم”، وجواب آخر من كفر نبل هذه المرة (م. ر)، فالقصة :” تتعلق بمن هو المسيطر من الفصائل، ولعدم وجود أي رقابه أو أي مجلس مدني مختص بهذه الأمور وعدم وجود شرطة أو دوريات منتظمة لها، وهذا بسبب تهميش أي عمل للإدارات المحلية وحصرها بالفصائل”.

وبالعودة لما بدأنا به، نجد أن المسؤولية مشتتة ما بين الفصائل، لا يوجد فصيل مستعد لتحمل مسؤولياته كما يجب، مع تبعية كثير من إعلاميي المنطقة للفصائل نفسها، بحيث أن هدفها تحوّل من نقل الواقع إلى تصيد أحداث تتعلق بالفصائل الأخرى؛ ما جعل الفصائل تكتفي بحماية حواجزها، وتحولت مهمتها من تسيير أمور المدينة إلى تسيير أمورها الخاصة.

حلول ولكن

هل من حلول مطروحة لهذا الفلتان الأمني، سؤال طرحناه على أكبر الفصيلين في إدلب وريفها وريف حماة، فجاء جواب “أحرار الشام” على لسان الناطق باسمها، أحمد قره علي: “لا ندعي أن الوضع الأمني مثاليًا ولنتذكر أن الأوضاع الطارئة تُخلّف خللًا أمنيًا حتى في الدول المستقرة، ولكن هذا لا يعني أن دور القضاء والشرطة غائبين. الفصائل في إدلب متفقة على القتال حتى تحرير البلاد وإسقاط نظام الاستبداد والإجرام، وأن اختلاف وجهات النظر حول بعض القضايا لا يعني أننا متفرقون، بل هناك سعي وعمل حثيث لزيادة التنسيق والتعاون والوصول إلى جسم عسكري وسياسي موحد”.

وأما من وجهة نظر أحد قادة “فتح الشام” (و. ت)، فإن الحل يأتي عن طريق “تطبيق الحدود وعدم التراخي فيها، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة خاصة بالوضع الأمني، مع تعهد جميع الفصائل بعدم التدخل بعملها، على أن تتبع لقضاة مختصين مشهود لهم بتطبيق الحدود”.

يبدو أن الفصائل وقادتها ليسوا بمنأى عن هذه الحوادث، ودون الدخول في التفاصيل التي تحتاج لتقرير منفصل، شهد كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عددًا من حوادث القتل والتصفية طالت عناصر من “فتح الشام” و”حركة أحرار الشام”، وفصائل الجيش الحر، توزعت في أغلبيتها على أطراف مدينة إدلب وبنش وبلدات الريف الجنوبي وجبل الزاوية، دون التمكن من الكشف عن الجهة التي تنفذ هذه العمليات التي تشترك في توقيتها، وتكون غالبًا في ساعات متأخرة من الليل، وبأسلحة مزودة بكواتم صوت.

رابط المادة