الغوطة الشرقية: تقسيم المُقسّم ومحاصرة المُحاصر 

متظاهرون في الغوطة الشرقية يقومون بإزالة المتاريس الترابية بعد الاقتتال بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن عام 2016 - مراسل سوري

مراسل سوري – خاص
لم يخطر ببال المكتب الإغاثي الموحد عندما قسم الغوطة الشرقية إلى قطاعات قبل أعوام، لتسهيل العمل، أن يأتي اليوم لتصبح فيه الغوطة حقاً مقسمة إلى قطاعات، القطاع الأوسط الذي يسيطر عليه كلاً من فيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية، وقطاع دوما أو كما يسميها أهالي الغوطة الشرقية “ولاية دوما” والتي يسيطر عليها جيش الإسلام بدون منازع .

الاقتتال الذي حصل بين الفصائل قبل عام من الآن، ساهم بتقسيم الغوطة الشرقية عبر رفع متاريس ترابية بين البلدات، لكنه لم يؤثر بشكل مباشر على حياة المدنيين الغير تابعين لأي فصيل أو مؤسسة، ولم يؤثر رفع تلك المتاريس على نقل البضائع بين قطاعات الغوطة الشرقية إلا أن الاقتتال الذي جرى هذا العام غيّر من طبيعة ذلك التقسيم ليبدو واضحاً في الأيام الأخيرة، مع نية الفيلق الانسلاخ الكامل عن جسم “الغوطة الشرقية” وإعلان استقلالية “القطاع الأوسط” بكل ما فيه، فتضاعف عدد المتاريس الترابية، وزادت خطورة التنقل بين القطاعين وارتفعت تكلفتها بسبب الحصار الجديد الذي فرضه النظام من جهة، والفصائل العسكرية من جهة أخرى .

ويتعمد عناصر فيلق الرحمن في الأسبوع الأخير منع التجار من إدخال البضائع من “ولاية دوما” إلى القطاع الأوسط، خاصة أن دخول تلك البضائع محصوراً بتجار ينعمون برضى جيش الإسلام، وأن المعبر الوحيد للغوطة الشرقية من مخيم الوافدين القريب من مدينة دوما، فبحسب روايات محلية أن عناصر من الجيش أيضاً عاملوا التجار بالمثل، فمنعوا دخول البضائع إلى القطاع الأوسط، الذي يسيطر عليه فيلق الرحمن بالمرتبة الأولى.

وتقول مصادر مطلعة من الغوطة الشرقية أن فيلق الرحمن يسعى لفتح معبر مع دمشق لإدخال البضائع عبر ذات التجار الذين يوردون المواد الغذائية إلى قطاع دوما، فيما تتوقع المصادر أن يكون ذلك المعبر من بلدة “عين ترما” المطلة على المحلق الجنوبي، في رسالة واضحة للنظام عبر التجار الوسطاء، أن “أبو النصر” قائد الفيلق مع قرار تقسيم الغوطة واستقلالية القطاع الأوسط عن قطاع دوما، لكن كل هذا يبقى في إطار الاشاعات والكلام حتى اللحظة، ولا شيء مؤكد حتى الآن .

الانسلاخ والتقسيم في الغوطة الشرقية بدأ في القضاء قبل عام، ليلحق ركب القضاء سلك الشرطة الحرة والتعليم وتنقسم “جامعة حلب الحرة” التابعة للحكومة المؤقتة إلى جامعتين، الأولى في القطاع الأوسط، والثانية في قطاع دوما، والمدارس إلى قطاعين منفصلين أيضاً، تتبع الموجودة منها في القطاع الأوسط إلى المجمع التعليمي في بلدة سقبا، بينما تتبع الموجودة في دوما إلى مديرية التربية في المدينة.

مواطنون يتساءلون: هل يمكن أن يستمر ذلك الحال إلى إغلاق الحدود بين القطاعين بشكل كامل ومنع دخول وخروج المدنيين والتنقل لزيارة الأقارب في القارة الأخرى، يقول أحد سكان مدينة زملكا ساخراً، لربما لو أن الأنفاق باتجاه برزة والقابون لا زالت مفتوحة، لكان الخروج إلى دمشق الخاضعة لسيطرة النظام أسهل من الذهاب إلى دوما “المحررة” هذه الأيام فالعناصر تتقد إذلال المدنيين على الطريق الواصل بين القطاعين، وإطلاق النار في الهواء وعلى الأرض، وكأنها رسالة لنا بأن يجلس كلٌ منا في قطاعه ولا يذهب للقطاع “العدو”.

ونشرت الآنسة “بيان ريحان” عضو المجلس المحلي في دوما على صفحتها في فيس بوك ساخرة من الوضع الراهن في الغوطة الشرقية، متحدثة عن رحلة في مجاهيل الغوطة الشرقية، بين قارتي دوما والقطاع الأوسط، وعمليات التفيش التي تجري بحق المارة على الحواجز العسكرية، والتأكد من عدم التبعية لأي فصيل أو مؤسسة تتبع للطرف الآخر .

تقسيم الغوطة الشرقية بهذا الشكل له دلالات خطيرة في المستقبل، من حيث المفاوضات والعمليات العسكرية ووضع المشافي الميدانية التي كانت مفتوحة لكل “غوطاني” بغض النظر عن الطرف الذي ينتمي له، خاصة أن انظار النظام والروس تتجه نحو الغوطة هذه الأيام بعد إنهاء العمليات العسكرية في القابون وبرزة والسيطرة على الأنفاق الواصلة بين الطرفين .