” الحلفاء يفرضون واقعا جديدا “

مراسل سوري _ ترجمة
شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط سرعوا من عمليات دعم المعارضة السورية في الشهور الأخيرة، مما أدى إلى توسيع الفجوة بين شركاء واشنطن والإدارة الأمريكية.

لقد نفد صبر الحلفاء من بطئ التجاوب الأمريكي مع الأزمة السورية، وخصوصا برنامج التسليح والتدريب الذي تصر واشنطن على أن يضم فئات محددة من المعارضة، وأن يوجه حصرا لمحاربة تنظيم الدولة فقط.

ومن أجل توضيح هدفهم في إزاحة الأسد؛ قررت هذه الدول المضي قدما في خطتهم الخاصة بهم؛ فالإمدادات الجديدة بالمال والسلاح من قبل الشركاء -السعودية وتركيا وقطر- كان السبب الرئيسي خلف التقدم الأخير لقوات المعارضة في مناطق الشمال، من قبل جيش الفتح، المكون من خليط كبير من التشكيلات والفصائل الإسلامية، ومن ضمنهم فرع القاعدة في بلاد الشام؛ “جبهة النصرة”، بالإضافة إلى بعض قوات المعارضة السورية المعتدلة.

المبادرة تأتي بعد تنامي الشعور بالغبن من قبل هذه الدول تجاه الإدارة الأمريكية التي تركز على مفاوضات النووي مع إيران، وعلى حربها ضد تنظيم الدولة في العراق، وفي نفس السياق يقول مسؤولون محليون أن إدارة أوباما فشلت في أن تأتي بخطة شاملة لإنهاء النزاع في سوريا، ولمكافحة خطر الدولة الإسلامية المتنامي.
في أوائل هذا الشهر، وفي اجتماع لقوى التحالف في الأردن، تعرض المسؤولون الأمريكيون إلى هجوم عنيف حول سياسة الإدارة في تحالف الدول الستين المشاركة في العمليات ضد تنظيم الدولة، وكيف لها أن توقف تمدد هذا التنظيم الذي ينتشر بسرعة كبيرة.. جهاديون من الغرب و متشددون في ليبيا وأفغانستان وسيناء ونيجيريا والفلبين..

لكن ما نظر إليه الحلفاء كسياسة فاشلة بكل معنى الكلمة؛ كان الوضع في سوريا، وكردٍّ على هذا الفشل كان التقارب السعودي التركي بالتعاون مع قطر؛ ليعيد الزخم إلى عجلة الصراع من أجل إزاحة الاسد.

لكن هذا التحرك الأخير قد يعوق مجهود 3 سنوات من العمل الدؤوب الذي كانت الولايات المتحدة تسعى من خلاله إلى إضعاف الأسد دون الإطاحة به، بل تشكيل ضغط كافٍ لإجباره على الحل السياسي دون أن يخلق فراغا وفوضى في السلطة في سوريا.

و من ناحية أخرى؛ فإن معظم القوى المسلحة المعتدلة تم تصفيتها أو إزاحتها من قبل الجماعات الإسلامية المتشددة، لكن دعونا نفكر بواقعية و صراحة؛ ماذا استطاعت العملية السياسية التي كانوا ينشدونها في جنيف منذ سنوات أن تقدم؟
تمكّن الثوار بالتعاون والتنسيق مع جبهة النصرة من إخراج النظام من مدينة إدلب، ومن سلسلة من المدن الأخرى والحواجز، وبدأوا بالزحف باتجاه الغرب نحو البحر المتوسط، هذا التقدم قاد العديد من المراقبين إلى التوجس من انهيار النظام في أي لحظة، لكن المسؤولين الأمريكيين يشكون في انهيار النظام الآن، رغم تغير موازين القوى بشكل كبير لصالح الثوار، فهم يرون أن موازين القوى تغيرت عدة مرات خلال السنوات الأربع الماضية من الحرب ومن الغير المستبعد أن تتغير من جديد.

وفقط منذ شهور قريبة ظهرت القوات النظامية وكأنها على وشك القضاء على المعارضة لكن الوضع تغير، فمالذي يمنع من أن تتغير هنا أيضا؟

لكن الأمر يبدو أشدّ تعقيداً من هذا الآن؛ فالتحرك الحالي من قبل الحلفاء الثلاثة نحو دعم المعارضة يهدد بعزل واشنطن عن المسألة السورية إذا لم تتدارك الأمر أو تعيد حساباتها في هذا البلد.
البعض يرى أن حركة الشركاء تجاه الحرب السورية ما كانت لتتمّ لولا موافقة واشنطن، وأنها عمليا تقود الأمر من الخلف، لكن البعض الآخر -مثل “جمال خاشقجي”- المقرب من العائلة المالكة السعودية يقول إن الهدف من التقارب السعودي التركي القطري هو خلق واقع جديد على الأرض، لا يمكن للولايات المتحدة إلا إن تقبله.

في زيارة وزير الخارجية التركي إلى واشنطن الأسبوع الماضي، قال في مقابلة صحفية أن سوريا في النهاية ستحتاج إلى حل سياسي؛ فمحاربة “الدولة الإسلامية” هو أولوية للحكومة التركية، لكن المشكلة تكمن في عدم وجود استراتيجية شاملة وواضحة لعلاج توسع هذا التنظيم في العراق وسوريا، وفي نفس الوقت مواجهة “الأسد” الذي يعتبر السبب الرئيسى لنشوء هذا التنظيم.
ويسعى حلفاء واشنطن نحو دعم إنشاء منطقة عازلة في شمال سوريا، تحميها طائرات الحلفاء والطائرات الأمريكية، لتكون منطقة آمنة للمعارضة وللاجئين، لكن الإدارة حتى هذا اللحظة ما زالت ترفض ذلك بحجة عدم وجود توافق بالرؤية مع تركيا.

لكن المفاوضات على هذه المنطقة لم تتوقف؛ فبحسب أحد المسؤولين المشتركين في هذه المفاوضات “لقد كان جدالنا مع تركيا في تحسين آلية تدفق السلاح إلى المناطق الشمالية، وقلنا لهم دعونا نرى ما أنتم ملتزمون بفعله، وما نحن مستعدون للالتزام به، وعندها يمكننا أن نعود إلى الحلفاء وشركائنا، ونقول هذه هي الخطة”.

ولقد طالبت الإدارة مرارا أن يكون هناك تنسيق كامل بين الحلفاء في العمليات العسكرية ضد “الأسد”، كما وطالبت بأن يكون هناك تنسيق كامل في موضوع السلاح المقدم، حتى لا يسقط أي منها في يد جماعات متشددة كالنصرة.

وخلال السنة الماضية كانت شحنات السلاح تصل من خلال مركز عمليات في تركيا والأردن والرياض، وقد خضعت الفصائل السورية إلى العديد من الدراسات الأمنية، أشرف عليها ضباط مختصون في هذه البلدان، وتم تلوين هذه الفصائل المتداخلة مع بعضها بثلاثة ألوان؛ فالأخضر يعني لا مانع من تسليحه، والأحمر يعني المنع من التسليح، أما الأصفر فيعني لا زال يحتاج إلى مزيد من البحث.
لكن -وباعتراف الجميع- فإن هذا التقسيم من الصعب تطبيقه في أرض المعركة، فالكثير من الفصائل المعتدلة اضطرت للالتحاق بالفصائل الأفضل تسليحا وتمويلا؛ كالنصرة، وتشعر الإدارة الأمريكية حقيقة بالقلق من تنامي دور النصرة في المعارك، ودورها المتعاظم في إسناد أو كسب أي معركة تخوضها الفصائل ضد قوات النظام.

وتشعر الإدارة مع ذلك بأنها أمام أمر واقع لا مفر منه؛ فالفصائل المعتدلة مضطرة إلى التعامل مع الفصائل الجهادية، وبذلك فإن وقوع بعض الأسلحة بيد الجهاديين أمر لا مناص منه.

ولا تجد الإدارة حرجا من مناقشة هذا الأمر مع الحلفاء بين الفينة والأخرى، فهي لا تستطيع أن تتغاضى عن هذا الأمر أيضا، ولا يمكنها استيعاب فكرة اشتراكها في تدريب وتقوية هذه الجماعات، لذلك فهي تحاول أن تتصرف كمراقب في لعبةٍ، ما أنْ يخرقَ أحدُ اللاعبين قوانينَها حتى يُعلن الحكم صافرةَ الخطأ، لكن المراقبين متفقون، إذا ما أرادت واشنطن أن تبقى على علاقة بالازمة السورية فعليها أن تتحمل بعض المخاطر في تسليح المعارضة.

ويقول روبرت فورد السفير السابق لواشنطن في دمشق: “الأتراك والسعوديون والقطريون ماضون في خطتهم، فماذا علينا أن نفعل؟ بالتأكيد أن جوابا مثل سوف نقصف تنظيم الدولة لن يلتفت إليه أحد”.