الجولاني على الجزيرة

مراسل سوري – ترجمة

عرضت قناة الجزيرة في 27 أيار مقابلة من 47 دقيقة مع زعيم تنظيم جبهة النصرة فرع القاعدة في بلاد الشام أبو محمد الجولاني إحدى أقوى الفصائل المسلحة المعارضة على الأرض السورية.
من هو أبو محمد الجولاني؟
هو مؤسس و قائد جبهة النصرة ، فرع القاعدة في بلاد الشام
العاملة في سوريا و لبنان. عدا عن ذلك لا أحد يعلم بدقة أي شئ آخر عنه.
هل هذه مقابلة الجولاني الأولى؟
لا. لقد أجرى مقابلة معه من قبل المذيع في قناة الجزيرة “تيسير علوني” السوري و الحاصل على الجنسية الإسبانية. و هو نفسه المذيع الذي حصل على مقابلة حصرية مع زعيم تنظيم القاعدة آنذاك “أسامة بن لادن” بعيد أحداث 11 من أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية. لا أحد يشك في أن “تيسير علوني ” كان له ارتباطات وثيقة مع عدد من أهم قادات الحركة الجهادية العالمي ( استضاف ” محمد الباهية” المعروف ” بأبو خالد السوري” في منزله في منزله في إسبانيا و ساعده في تقديم طلب الإقامة الإسبانية) و قد شابت الإجراءات أمور غريبة و مشبوهة حقا أدت لاعتقال ” علوني ” و لكن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان ألزمت بإطلاق سراحه بسبب عدم حصوله على محاكمة نزيهة في عام 2012. و منذ إطلاق سراحه استطاع علوني القيام بعدة مقابلات رائعة مع طيف واسع من قيادات المعارضة في الشمال السوري و في تركيا من خلال برنامجه ” لقاء اليوم” لقد كان الوحيد حتى يوم الاربعاء الماضي من أجرى لقاء مباشرا مع زعيم جبهة النصرة ” الجولاني”
المقابلة الثانية للجولاني تمت من خلال برنامج الجزيرة الشهير ” بلا حدود” و مقدمه المعروف ” أحمد منصور” و الذي يعتبر إسلاميا أيضا و ظهر واضحا للعيان إنجذابه للجولاني خلال المقابلة بعكس ” العلوني ” الذي كان متعاطفا و ليس متأثرا. و لهذا فإن نتائج المقابلة في ” بلا حدود” مخيبة أكثر منها تحقيقا صحفيا. كانت أشبه بلقاء بين حبيبين يتواعدان خارج المدرسة.
ولكن و لنكون صريحين قد يكون مجرى اللقاء قد تم بهذا الشكل عن قصد و بسابق إصرار و تصميم من قبل القناة الإخبارية المدعومة من دولة قطر. العديد يعتقد أن دولة قطر متلهفة لاظهار الوجه الناعم لجبهة النصرة خصوصاً بعد الانتصارات الأخيرة للمعارضة في الشمال السوري.

 

هل سيكون هناك مقابلة أخرى؟
نعم يبدو كذلك فلقد طلب ” منصور ” من ” الجولاني ” ذلك للتحدث في الدور الإيراني في الصراع داخل سوريا و في المنطقة و علاقة النصرة بتنظيم الدولة و لرؤية الجولاني لمستقبل سوريا و كان رد الجولاني و كان رده بإنشاء الله.
أين تمت الم
قابلة؟
في المناطق المحررة من الشمال السوري حسب إدعاء ” أحمد منصور” لا يمكننا بالطبع التأكد من ذلك لكن على الأغلب في محافظة إدلب التي حررها جيش الفتح مؤخراً و الذي تعتبر النصرة مكونا مهما منه. و قد عرض منصور عددا من الصور على صفحة بلا حدود تظهر انه قد زار منطقة إدلب و إذا دققنا النظر في ديكور مكان اللقاء يظهر لنا أن الكراسي و الطاولة مماثلة لتلك التي كانت في قصر محافظ إدلب.

 

ما هو شكل الجولاني؟
حقيقة لا أحد يدري لكننا شاهدنا منه أكثر هذه المرة، يدين و أنف، و كان يضع غطاء علو رأسه و كتفيه لتخفي ملامحه و ظهر متلئا بعض الشئ لكن قد يكون ذلك مرده للحزام الناسف الذي يرتديه. قيادات القاعدة لديها شغف بارتداء الأحزمة الناسفة بغض ا
لنظر عن المناسبة.
البقية من ثيابه كانت على غير العادة قميص فاتح اللون و بنطال زيتي اللون و أحاط و سطه بقماش أخضر و ظهر حرير لامع. و بالتدقيق بدى و كأنه يرتدي الزي السوري الشعبي و هذه قد تختلف بين منطقة و أخرى لكنها لديها قواسم مشتركة مثل السترة و البنطال الواسع و الذي يرتديه بعض الأكراد حتى الآن و يسمى في اللغة السورية ” الشروال” و هذا بالتأكيد أرسل رسالة واضحة ( ارتديت الزي السوري و تنازلت عن الزي الأفغاني، انا سوري مثلكم. ) لا يرتدي أحد هذا الزي إلا السوري القديم الأصلي الذي نشاهده في مسلسل ” باب الحارة” و قد كان مؤسفا عدم قدرتنا أن نتأكد إن كان لديه شوارب مثلهم أم لا!

 

ماذا قال الجولاني؟
لقد كان هدف المقابلة شيئا واحدا و هو جعل ” أحمد منصور ” يقدم ” الجولاني ” على أنه نسخة مغايرة و مختلفة كليا عن تنظيم الدولة و أنه قائد جهادي مسؤول و ليس سفاحا.
في معرض كلامه عن أساسيات و مسلمات جبهة النصرة قال رغم إيماننا بأنه لا ت
نازل عن تطبيق الشريعة الإسلامية فإن ذلك لا يعني أننا مجموعة من المتطرفين المتعطشين للدماء. و لقد كرر عدة مرات عبارة ” في الوقت الراهن” نحن لا نقاتل إلا من يقاتلنا و يعارض تطبيق الشريعة، فإذا لم تقف في وجه هذين الهدفين فأنت في مأمن من جبهة النصرة. و لكن ” الجولاني ” لم يبتعد أبدا عن عقيدته. أنه مؤمن و بشكل صادق و هو لن يعطي تنظيم الدولة الإسلامية أي حجة في أنه ابتعد عن تطبيق شرع الله في الأرض.
و من ضمن الأشياء الأخرى إدعى الجولاني أن الجبهة ليست في صراع مع الغرب و هو بذلك يتبع أوامر زعيم تنظيم القاعدة ” أيمن الظواهري ” و هذا بالتأكيد يناقض ما تدعيه حكومة الولايات المتحدة بان متطرفين من القاعدة وصلوا إلى سوريا من أفغانستان تحت حماية النصرة و هم يجهزون لعمليات تستهدف الملاحة الجوية الغربية. و قد سمت واشنطن هذه المجموعة بجماعة ” خراسان” لكن الجولاني استهزء بذلك و نفاه. و قال إن جميع الأهداف التي قصفتها الولايات المتحدة تعود لجبهة النصرة لكنه اعترف بأن هناك أفراد قد أتوا من ” خراسان” إلى سوريا للمشاركة في الجهاد ضد النظام السوري. في لغة الجهادية الحديثة فإن ذلك يعني أفراد من أفغانستان /باكستان لذلك يبدو من المحتمل انه يشير إلى أفراد أتوا بمهمة من قيادة القاعدة المركزية. و على عكس التوقعات و الإشاعات أكد الجولاني على ارتباط النصرة بالقاعدة و رغم أنه لم يقل ذلك بشكل مباشر فإنه ذكر بأن يتقيد بتعليمات ” الظواهري ” ( و كأنه من الطبيعي جدا أن يتبع تنظيم سوري تعليمات رجل مصري محاصر في باكستان ) و كان هناك علم صغير على الطاولة يحمل شعار القاعدة في بلاد الشام.
و تحدث الجولاني ربما بإسهاب عن موضوع الأقليات و كان يحاول بشكل كبير بتوجيه غير مباشر من منصور أن يظهر جبهة النصرة على أنها تختلف كليا عن جماعة تنظيم الدولة في هذا الشأن. فمثلا قال إن النصرة لا تحارب القرى المسيحية التي لا تحارب المسلمين ( و هنا يقصد المسلمين المعارضين ) و أكد أنه و فقط بعد تأسيس حكومة إسلامية سوف يبدأون بفرض الجزية و حتى عندها سوف يتم جمعها حصرا من المقتدرين من المسيحيين و ليس الكل. و مرة تلو الأخرى أكد ” الجولاني ” على حق الجبهة في القصاص من بعض الأقليات لكنها لا تفعل ذلك لأنهم أي جبهة النصرة ليسوا أفرادا متطرفين و متعطشين للدماء.
و في أحد اللحظات التاريخية من المقابلة قال الجولاني أن أي علوي يستسلم لجبهة النصرة و يتوب فإنه سوف لن يقتل و حتى لو قتل الآلاف منا. حقيقة لن تسمع ذلك ابدا من تنظيم الدولة الذي يتفاخر في مقاطع الفيديو بجنوده و هم يطلقون النار على أسرى علويين أو شيعة وهم عزل أو أنهم يقطعون رؤوسهم في مشاهد عنيفة و بربرية لا تذكرك إلا بأيام الرومان القدماء. و بالفعل فإن من يتخيل بأنه لا يوجد فرق بين منطلقات و نظريات الجماعات الجهادية هو مخطئ. هناك فعلا فرق كبريق الضوء بين الجماعة الجهادية السلفية الكلاسيكية و التي تمثلها النصرة و بين السلفية الجهادية المتغولة التي مازالت في مرحلة التطور و التي نتجت عن إنشقاق ما يعرف الآن بتنظيم الدولة عن القاعدة الأم في عام 2013. هذا الفرق سوف يزداد اتساعا مع قادم الأيام.
لكن الأساسيات ستبقى نفسها مهما حاولت الجزيرة تلطيفها و تغليفها باوصاف رنانة. و النصرة متطرفة بما فيه الكفاية لتدخل ضمن نطاق الجماعات الجهادية التي تمارس التطهير العرقي. فلو انتبهنا إلى ما قاله الجولاني بأن العلويين هم أناس فارقوا أو خرجوا عن تعاليم الإسلام و لقد كان واضحا جدا في كيفية أن يأمن العلوي على حياته فلا يكفي له أن يتبرأ من أفعال الأسد المجرم و لكن عليه أن يتوب و يعود إلى دين الإسلام و أن يهجر الشعائر في دينه المخالفة لمعتقدات المسلمين. و بالطبع كان الجولاني يقصد نسخته من الإسلام السني و ليس من الممكن أن يكون مجرد مسلمين شيعة. و بالابتعاد عن تنميقات الجزيرة تبقى رسالة الجولاني واضحة و لم تتغير سيترك العلويون لشأنهم بمجرد أن يتوقفوا عن كونهم علويون.

 

هل سيقنع ذلك منتقديه؟
بالتأكيد لا. لكن ذلك لم يكن ابدا هدفا للمقابلة فالجولاني لم يكن يعمل على تقديم نفسه للفئة غير السنية أو الشريحة العلمانية و لم يكن يعمل على تقديم وجهة نظره للإعلام الغربي و الأمريكي فهو يعلم في قرارة نفسه أنه مكروه منهم مهما قال.
لقد كان كلامه كما كانت كلمات قيادات القاعدة من قبله موجهة نحو الشريحة السنية التي يمكن أن تتقبل فكر القاعدة و التي بدعمها لهم أو حتى بوقوفها على الحياد يمكن لفريق النصرة أن يستمر و يعيش. فلو أن كلماته خلال هذه المقابلة لم تعجبك فثق تماما أن الخطاب لم يكن موجها لك.
مع ذلك فقد نمت جبهة النصرة داخل سوريا على الرغم من أن التفكير السلفي الجهادي غير مستساغ في سوريا إلى اليوم و على رغم من علاقات النصرة الدولية مع القاعدة و على الرغم من محاولات دول إقليمية و عالمية نافذة خنق الجبهة من خلال ممثليها على الأرض فإنها استمرت في حين انتهت فصائل الآية أخرى بالمقابل أو ذابت في بوتقة فصائل أكبر منها. و النصرة تعلم أنه لكي تستمر لا بد لها من اندماج حتمي و نوعي مع فصيل أو فصائل اسلامية سنية أخرى يجعل منها عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه .
معظم الفصائل المعارضة الإسلامية الكبيرة و التي تتعامل مع النصرة لا تختلف عنها كثيرا و جنودها يشبهون إلى حد كبير جنود الجولاني فهم صقور و محافظون بشكل شديد كما أنهم لا يحبون الغرب إن لم يكن يكرهوه. هنالك بالطبع بعض الاستثناءات لكنها تبقى استثناءات. لكن المختلف فيها أنها ليست بصدد تبني اي عمليات عسكرية و إرهابية ضد الغرب بل على العكس هم لا يحبذونها.
مع مرور الوقت فإن العديد من المؤيدين من المعارضة السنية و من ضمنهم عدد كبير من المتشددين يميلون لفكر الجولاني بدأوا يشعرون بأن النصرة شديدة التطرف. و قد كان أكثر ما أثار حفيظتهم سلوكهم بعد عام 2014 بعد فوضى إنفصال تنظيم الدولة عن القاعدة الأم و التدخل الأمريكي لضربها فقد أصبحت النصرة أكثر عدوانية و مناطقية في توسعها و أسست لمحاكمها الخاصة بها و سيطرت على قرى لنفسها. و أكثر من ذلك تعالت الأصوات بأن الجبهة ليست سورية و أنها مليئة بالمقاتلين الأجانب و أنها تأخذ أوامرها من المصري ” الظواهري ” الذي لديه أجندة عالمية و ليست سورية. كما أن هؤلاء اشتكوا من أن علاقة النصرة بالقاعدة قد أزعجت الغرب و أساءت لسمعة الثورة السورية.
إنهم بالتأكيد محقين في كل ما قالوه و لهذا فإن النصرة تشعر بالحساسية من كل هذه الإنتقادات و لهذا السبب نشاهد الجولاني في هذه المقابلة يحاول تفنيد هذه الإتهامات و يحاول أن يتحدث بإخلاص و يشرح بأن قيادته ليست متهورة و هو لا يذبح الأقليات و لا يحارب الولايات المتحدة و أنه سوري مثل باقي السوريين و الدليل الزي الذي أرتديه.
بمعنى آخر ما يحاول الجولاني فعله هو أن يقول للمعارضين السنة الآخرين و للمموليين المحتملين و لمثقفي و مفكري الجماعات الإسلامية و موجهيها عبر الشرق الأوسط ما يريدون أن يسمعوه فعلا لكي تكون لديهم القدرة على إقناع أنفسهم أن الولايات المتحدة الأمريكية مخطئة بشأن جبهة النصرة و بأن الأمريكان اصلا لم يفعلوا شيئا لصالح السوريين . حاول الجولاني أن يؤكد لهم أنه واحد منهم و أن حجج الأمريكان في استهداف النصرة واهية و أنها حينما تفعل ذلك فإنه لأن الرئيس أوباما يتعاون سريا و من خلف ستار على بقاء الأسد و منع سقوطه.

 

هل تتعاون الولايات المتحدة الأمريكية مع الأسد؟
طبعا لا و لكنها الفكرة المسيطرة على الجمع الإسلامي المعارض في سوريا و ليس فقط على الفرع الجهادي منه. قد يكون مفاجئا مدى سيطرة هذه الفكرة على شريحة واسعة من المعارضة السورية حتى العلمانية منها و صراحة فإن
شكوكهم لا تخلوا من بعض الحقيقة. و قد كان هذا الوتر الذي عزف عليه الجولاني خلال مقابلته. فهو يقدم حجته بأن الولايات المتحدة و الغرب عموما يتخوف من سقوط الأسد حتى لا ينتصر المسلمون و يحاولون أن يفرغوا الثورة السورية من محتواها و يحاولون أيضا إعادة تأهيل الأسد. و يربط بأن قصف الولايات المتحدة لجبهة النصرة ( خراسان ) لا يختلف بأي حال عن قصف النظام السوري للمدنيين بالبراميل المتفجرة. فالطيران الحربي لكلا الطرفين يحلق في نفس الأجواء و يعملان لنفس الهدف و أي طرف يأخذ معونات أمريكية سواء بدعم مباشر أم لا هو بشكل أو بآخر يعمل على الإبقاء أو على التأخير في سقوط نظام الأسد.
ثم يضع الجولاني مفاوضات الأمم المتحدة ضمن سياق المؤامرة الصهيو-امريكية-شيعية-علوية. وليس من المستغرب أن يدعي الجولاني هذا الأمر لأن أي قبول للمعارضة بحل سياسي في نطاق الأمم المتحدة و مبعوثه ” دي ميستورا” سوف يعزل الحل الجهادي الغير مساوم للحرب في سوريا. و لهذا فإنه من غير المفاجئ أن يدعي الجولاني أن جميع مؤتمرات السلام للحرب السورية ما هي إلا محاولات سرية لبعث الحياة في النظام السوري المتهالك.
يقول الجولاني” لا ينبغي لأحد أن يسمع لهؤلاء كما لا ينبغي لأحد أن يقبل بمعونات من الغرب فإنهم إن فعلوا ذلك تحولوا لأداة تستهلكها الدول الغربية لتحقيق مصالحها. إن الحل الوحيد هو القبول بحقيقة أن نظام الأسد و المجتمع الدولي وجهان لعملة واحدة و أن محاربتهم هو الجهاد الذي لايمكن التنازل عنه. ”
أليس من الصدفة أن يتفق هذا الكلام مع السلعة التي يحاول تنظيم القاعدة العالمي ترويجها بين المسلمين.
الكاتب هو “آرون لاوند” محرر موقع “سوريا في كارثة” الذي أسسته مؤسسة “كارنيغي للسلام الدولي”

 

1 Comment on الجولاني على الجزيرة

  1. مقال من معهد كارنيغي!!!
    هل معهد كارنيغي للسلام يعني بمصالح الشعب السوري ام بمصالح الامريكيين
    النصرة مقبولة من الشعب السوري ولو لم تكن مقبولة ما كان للجولاني ان يسجل الحلقة في سوريا ابدا

Comments are closed.