“التعفيش” للسطو على ممتلكات السوريّين

مراسل سوري _ دمشق
في حين تدكّ قوات النظام السوري المدن والبلدات بالبراميل المتفجرة والصواريخ بعيدة المدى، وعلى وقع خسارتها لتلك المناطق، تعمد أجهزته الأمنية ومن يطلق عليهم اسم “الشبيحة” إلى نهب المناطق التي تخضع إلى سيطرته والتي تحاصرها قواته.

في المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق، تُسجَّل حركة محمومة لآليات النظام التي تعمل على ما اصطلح السوريون تسميته “التعفيش”، للدلالة على سلب المنازل والمحال التجارية في المناطق التي شهدت تهجيراً ونزوحاً. أما أبرز المناطق التي تستقبل ما يُصار إلى تعفيشه فهي أحياء المزّة جبل 86، والدويلعة كشكول بالقرب من جرمانا، ودف الشوك القريب من حيّ التضامن. وكان المشهد واضحاً منذ بداية الثورة السورية، إذ كانت الصور تظهر دبابات النظام وهي تنقل غسالة مثلاً على ظهرها.

أما اليوم، فقد تبدّل المشهد. في حيّ المزّة جبل 86 ومن الحاجز المنصوب على مدخله، تدخل شاحنات تنقل في كل مرة حمولة من نوع واحد، على سبيل المثال شاحنة محمّلة بغسالات وأخرى لأفران الغاز وثالثة لسجاد. ويشير عزيز الذي يقطن عند مدخل الحيّ، إلى أن “من أسباب عدم منح تصاريح أمنية للسكن في هذه المنطقة، هو الحرص على عدم مشاهدة عمليات النهب المستمرة لمنازل السوريين المجاورة”. يضيف: “كنت ألاحظ في كثير من الليالي الشاحنات التي تقل أثاث السوريين، وأدقق فيها. كان شعوري ينبئني بأنني سأجد فيها شيئاً من أثاثي”.

في حي كشكول في الدويلعة، لا يختلف المشهد كلياً. هناك، تعرض بعض المحال مطابخ كاملة للبيع، فككت بالكامل من منازل في مناطق حيّ التضامن وشارع فلسطين في المخيم.

أبو خالد سائق شاحنة، يروي لـ “العربي الجديد” كيف اقتيد مع شاحنته من قبل “شبيحة” شارع نسرين. يقول: “صعد إلى الشاحنة عسكريّ ثمل ومعه ثلاثة من رفاقه وأجبرني على التوجه إلى منطقة محاذية لشارع فلسطين من الخلف، وراحوا يحمّلون أبواب وشبابيك من الألمنيوم على مدى أربع ساعات. بعد الانتهاء، نقلنا الحمولة إلى دف الشوك حيث زانوها وباعوها، قبل أن يقول لي: روح انقلع من هون”.

من جهتها، تقول أم سائد إن “كل شيء مرتّب ومتفق عليه”. وتسأل: “كيف يمكن للصوص الذين نهبوا محتويات البيوت، أن يُخرجوا مثلاً نحو مائة شاشة تلفزيون في شاحنة من منطقة هي خاضعة للحصار أصلاً، في حين يُمنع إدخال الخبز والحليب إليها. إذاً اللص هو في الوقت نفسه من يسهّل مرور المسروقات”. تضيف: “إذا أردنا نقل فرشتين للنوم في سيارة أجرة، علينا الحصول على تصريح للمرور على الحواجز وعلى موافقة من المختار”.

بالنسبة إلى آمنة، “عمليات السطو الممنهجة لبيوت السوريين في المناطق المحاصرة والمدمّرة جزئياً هي لدفن أماني السوريين في العودة إلى منازلهم، وللانتقام من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام من خلال إذلالها”. وتشير إلى أن في المناطق الموالية للنظام، تقام أسواق لبيع مسروقات المنازل. أما مازن وهو أيضاً سائق شاحنة في سوق الهال، فيقول إن “عناصر الجيش والأمن على الحواجز يعملون على إعانة أنفسهم مما يستطيعون الحصول عليه من سرقة وتشبيح. لا تخرج سيارة من السوق من دون أن تدفع خوّة لعناصر الحواجز”. ويتحدّث أبو وليد عن “منشآت صناعية وتجارية كثيرة تفكك ويُنقل كمّ هائل من البضائع المسروقة إلى المناطق الساحلية عبر شاحنات كبيرة. وأعتقد أن أجهزة النظام تشرف على تلك العملية المنظمة”.

ويرى دكتور علم الاجتماع أبو جابر، في حديث إلى “العربي الجديد”، أن “ظاهرة التعفيش التي يمارسها النظام السوري من خلال قواته وشبيحته على امتداد مساحة الوطن، لها جوانب عديدة. ولعلّ أبرزها أن يضطهد المجتمع من قبل مجموعة معيّنة، لقتل أي روح ثورية فيه”. لكنه يلفت إلى أنها “تؤدي إلى عكس ما يتمنى الديكتاتور. وتستمر الروح الثورية”.

وتتّضح للنظام أكثر من أي وقت مضى، صعوبة السيطرة ونهب ذاكرة السوريين. يقول أبو سالم إنها “سياسة السيطرة على مقدّرات السوريين ووعيهم ومستقبلهم”. يضيف: “لدينا خبرة طويلة مع هذا النظام، وما من شيء يمكنه السيطرة على ذاكرة الشعب، لأنها أقوى من هذا الاضطهاد البائد. ما نراه في الأساس هو انهيار لجمهورية التعفيش وسلوكها التدميري القاتل”.

المصدر : العربي الجديد