البندقية القاتلة.. اشترتها إيران واستنسختها ونشرتها

مراسل سوري

موقع جيرون – عمر الخطيب

في التقرير التالي سيرة ذاتية تختلف عن معظم السير الأخرى التي قرأناها، فهي -بالمقام الأول- لا تقدم قصة حياة شخص ما طمعًا بمكانة اجتماعية أو سياسية أو وظيفية، بل هي قصة من نوع آخر، تمتد على مدى نحو 13 عامًا، وتستعرض الإنجازات التي تتلخص بالدمار والقتل.

إلى القصة

بدأ الأمر عام 2005، بعد أن استطاعت إيران -عبر صفقة شرعية لا تخالف العقوبات المطبقة عليها بسبب أبحاثها النووية- أن تحصل على 800 بندقية نوع Steyr HS.50 من شركة Steyr-Mannlicher النمساوية، بذريعة استخدامها في ملاحقة عصابات تهريب المخدرات، على الحدود مع أفغانستان المعروفة بوعورتها، وكانت الصفقة لمصلحة جهاز الشرطة الإيراني، وتمت بمعرفة الجميع، تحت أنظار العالم.

ولفهم مدى الحرص الأوروبي على منع أو تقليل عمليات تهريب المخدرات؛ يكفي أن نذكر أن الرئيس الإيراني حسن روحاني لم يجد ما يهدد به الغرب أفضل من المخدرات والإرهاب، وقد قال في الثامن من هذا الشهر: “أحذر من يفرضون هذه العقوبات: إذا تأثرت قدرة إيران على مكافحة المخدرات والإرهاب؛ فلن تكونوا في مأمن من طوفان المخدرات والساعين للجوء والقنابل والإرهاب”، وذلك في رده على العقوبات الجديدة التي أقرها ترامب على بلاده، ولحث أوروبا على عدم التخلي عن الاتفاق النووي، وتعتبر إيران مصدرًا رئيسًا لتصنيع وتهريب المخدرات القادمة من أفغانستان إلى دول الخليج العربي والعالم.

وبالعودة إلى قصة البندقية التي ما إن استلمتها إيران حتى بدأت دراسة البندقية وآلية عملها، وهكذا تمكنت من صنع نسختها الخاصة، وسمّتها “الصياد AM-50″، والمعروف عن الصناعة العسكرية الإيرانية استنساخها للأسلحة الأميركية والروسية، ومنحها أسماء محلية.

ما بعد الولادة

ومع ولادة بندقية “الصياد” تبدأ قصتنا، فالبندقية دخلت كمنتج للمؤسسة الإيرانية للصناعات العسكرية، وتمت إضافتها إلى أسلحة الجيش الإيراني، وتنظيمي “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” الإيرانيين، وبحسب موقع (تسنيم) الإيراني، تم تزويد “مشاة سلاح البحر” في الجيش الإيراني بهذا السلاح، في مطلع 2016.

كما تم عرض البندقية للتصدير، وبحسب موقع (calibre obscura) المختص بالأسلحة، والصفقة القانونية الوحيدة المعروفة التي أبرمتها إيران لبيع البندقية كانت مع الجيش العراقي، حيث نقلت (رويترز) في شباط 2014 أن حكومة المالكي عقدت صفقة مع إيران، لشراء أسلحة خفيفة ومتوسطة وذخائر بقيمة 185 مليون دولار، وقد اعتُبر ذلك خرقًا للعقوبات المطبقة على إيران.

ولكن “الصياد” ظهرت كذلك مع عناصر جيش النظام السوري، في صور تم نشرها على شبكات التواصل الاجتماعي عام 2014، وكما توقع كثيرون، أصبحت البندقية من الأسلحة الأساسية بيد الميليشيات التابعة لإيران الموزعين في المنطقة العربية، والمثير أنها كذلك ظهرت في يد تنظيم (داعش) الذي يُفترض أنه العدو الأول لإيران.

انتشار البندقية

قبل أن نتابع قصة بندقية “الصياد”، لا بد من التعرف قليلًا إلى خصائصها؛ حيث تعدّ  هذه البندقية من أسلحة القنص المتطورة والمخصصة بشكل أساسي، لضرب العربات الخفيفة مثل عربات نقل الجند، ويصل مدى طلقات “الصياد” إلى 1500 متر، بمعدل من 3 إلى خمس طلقات بالدقيقة، ويبلغ وزن البندقية حوالي 12 كغ، ويبلغ طولها حوالي 1.5 متر، كما يمكن تركيب مناظير للرؤية الليلية عليها.

مع بيع الإيرانيين البندقية بأساليب غير قانونية، بسبب العقوبات، عبر شبكات تهريب الأسلحة من جهة، وتزويدهم للميليشيات التابعة لهم بكميات غير معروفة؛ انتشرت هذه البندقية في المنطقة، وشوهدت بشكل أساسي مع الميليشيات الشيعية في العراق، ولا سيّما ميليشيا “الحشد الشعبي”، ومن العراق انتقلت إلى اليمن، حيث ظهرت أيضًا في يد ميليشيات الحوثيين الموالية لإيران.

أما في سورية، فالبندقية هي سلاح أساس بيد ميليشيات المرتزقة التابعين لطهران، ومن ضمنهم ميليشيا (حزب الله)، كما أنها ظهرت بيد تنظيم (داعش) و(جبهة تحرير الشام/ النصرة)، وظهرت مع ميليشيات “وحدات حماية الشعب” الجناح العسكري لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي” التابع لتنظيم “حزب العمال الكردستاني” المحظور.

وبعيدًا من سورية والعراق واليمن، قطعت البندقية رحلة جديدة باتجاه صحراء سيناء في مصر، لتصل إلى يد الفرع المصري من تنظيم (داعش) أو “ولاية سيناء” كما يسميه التنظيم، وظهرت في أحد مقاطع الفيديو التي أصدرها التنظيم هناك.

فوضى السلاح

بسبب خواصها وميزاتها، تعدّ بندقية “الصياد AM-50” من الأسلحة المتطورة والخطيرة، وتحتل مكانة بارزة بين أسلحة القنص، وعلى الرغم من ذلك -كما لاحظنا في خط سيرها وتنقلاتها- هناك فوضى في عملية توزيعها، ويمكننا ببساطة أن نتخيل كمية القتل والدمار التي جلبتها هذه البندقية، بعد وقوعها بيد جيوش أنظمة استبدادية كالنظام السوري وتنظيمات متطرفة مثل (داعش).

ما بدا أنه صفقة لاستيراد أسلحة، تحت ذريعة محاربة التهريب، انتهى إلى تمكن نظام متطرف كالنظام الإيراني من استنساخ البندقية، ونشرها عبر ميليشياته في أرجاء منطقة تنوء تحت نيران حروب، فرضتها أطماع وأوهام شيوخ قُم بالسيطرة على المنطقة، وعلى أنظمة لا تتورع عن تدمير بلدانها وقتل شعبها في سبيل بقائها.