“البارون” وتسليم حي تشرين الدمشقي للنظام

مراسل سوري – المدن

توصلت فصائل المعارضة في أحياء دمشق الشرقية؛ تشرين والقابون، ليل الخميس/الجمعة، إلى اتفاق يقضي بإخراج عناصر الفصائل وعوائلهم وعدد من المدنيين المحاصرين في تلك الأحياء إلى الشمال السوري. وجاء الاتفاق فجأة من دون سابق انذار.

وبعد انتشار شائعات تنفي استكمال المفاوضات حول الحيين، وإصرار بعض قادة المعارضة العسكرية على فشل التفاوض مع النظام واستئنافه للحملة العسكرية من جديد، دخل المفاوض عن طرف المعارضة أبو عبدو “البارون”، إلى تلك الأحياء، منتصف ليل الخميس/الجمعة، معلناً التوصل لاتفاق، طالباً من الموجودين في حي تشرين، بمن فيهم النازحون من حي القابون، من الراغبين بالخروج، بالتهيؤ للإخلاء إلى الشمال بعد ساعات، بالتزامن مع خروج حافلات التهجير من حي برزة المجاور.

مصادر “المدن” أكدت إخلاء ما يقارب 1240 شخصاً من أحياء برزة وتشرين والقابون، صباح الجمعة، بينهم لا يقل عن 600 عنصر بسلاحهم الفردي، من أحياء تشرين والقابون والغوطة الشرقية. وأشارت المصادر إلى أن وجهة الدفعة الثانية هي إدلب، وأن الدفعة الثالثة ربما ستخرج الأحد المقبل.

النظام لم يسمح للمُهجّرين من أحياء تشرين والقابون، بالوصول إلى حي برزة، عبر الطريق الذي تُسيطر عليه قواته منذ شهرين تقريباً، بل تم توجيه الناس إلى جانب مقر “الشرطة العسكرية” في القابون المحاذي لمناطق سيطرة المعارضة. واجتمعت قوافل الخارجين من القابون وتشرين، بقوافل حي برزة، عند بلدة معربا في ريف دمشق، لتكمل مسيرها إلى الشمال.

وشهدت منطقة الإخلاء، إطلاق نار ومشاجرات بين عناصر من المعارضة المسلحة وبين قادة مجموعاتهم وفصائلهم، إثر منع القادة لعناصرهم من المغادرة بسلاحهم الفردي، مطالبين إياهم بتسليمها إلى قياداتهم قبل الخروج. وتطور الأمر إلى عصيان الأوامر، وإطلاق النار من بعض العناصر، وإكمال طريقهم باتجاه الحافلات، بعدما انكشفت الصفقة بين النظام ووفود المصالحة والقادة العسكريين، والتي لم تراعِ أبسط مصالح المنطقة أو أهلها ومعتقليها.

إخلاء الدفعة الثانية من حي برزة لفصائل تتبع “فوج قاسيون”، والتي كان من المفترض أن تحدث قبل يومين، كانت قد تأجلت بسبب عدم التزام النظام ببنود الاتفاق القاضية بإخراج معتقلين بينهم نساء على قرابة بأحد القياديين العسكريين في المنطقة. إلا أن عرضاً تقدم به النظام، ووافقت عليه الفصائل، بإخلاء 300 شخص من أصل ما يقارب 2000 من أبناء ركن الدين والصالحية وعناصرهم وعوائلهم المتواجدين في برزة، صباح الجمعة، على أن يتم إطلاق سراح المعتقلين، صباح الأحد، وإكمال عملية الإخلاء بعدها إلى الشمال.

مصادر “المدن” في حي تشرين أكدت أن ما يقارب 25 عنصراً من المعارضة قاموا بتسليم أنفسهم إلى قوات النظام لاجراء “تسوية محلية” لا تتضمن تهجيراً. وبقي حوالي 40 مقاتلاً يتبعون إلى “جيش الإسلام” في حي تشرين، كان شرطهم على وفد المعارضة المفاوض مع النظام، أن يتم الاتفاق مع “فيلق الرحمن” لنقلهم إلى مدينة دوما من دون أن يتعرض لهم “الفيلق”، أو إرسال حافلات لتقلهم عبر مناطق النظام، مباشرة إلى مدينة دوما، معقل “جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية، عبر معبر مخيم الوافدين.

ويسيطر “فيلق الرحمن” على الطرف المقابل من النفق الذي يربط حي تشرين بالغوطة الشرقية. “الفيلق” وبعد التوصل لاتفاق أحياء تشرين والقابون، أغلق صباح الجمعة مدخل النفق من جهة الغوطة الشرقية، مع تثبيته لرشاشات ثقيلة في محيط المدخل وداخل النفق، لمنع أي مدني او عسكري من استخدامه للعبور إلى الأحياء الشرقية، بسبب خيانة من فيها، والاتفاق مع النظام على تسليم تلك المناطق. قيادة “الفيلق” كانت قد اعتقلت قبل أيام قائد قطاع القابون في “الفيلق” أبو مسلم الطيب، بعد وصوله إلى الغوطة الشرقية وإبلاغ قيادة “الفيلق” بمجريات التفاوض مع النظام. ليعود “الفيلق” ويفرج عن أبو مسلم، صباح السبت.

ونشر موقع “مراسل سوري” تسجيلات صوتية مسربة لقيادات النظام العسكرية ومفاوضين عنه، يتحدثون فيها عن نية غالبية فصائل المعارضة تسليم المنطقة عبر المفاوضات، وأن ما يعوقهم هو انتظار “كبش فداء” ليتحمل المسؤولية كاملة، كي يظهر هؤلاء القادة “أمام أسيادهم في الغوطة الشرقية والدول الداعمة أبطالاً”. وهذا ما حصل فعلاً، بحسب مصادر “المدن”، عندما ظهر فجأة تاجر السلاح والبشر الملقب بـ”البارون”، ليصبح مفاوضاً عن المعارضة مع النظام، ومقرراً الخروج، ويعود إلى حي تشرين بعد اجتماعات مع “الفرقة الرابعة” و”المخابرات الجوية” في فرع حرستا، معلناً الوصول لاتفاق يقضي بخروج من يريد من حي تشرين إلى الشمال السوري، شاملاً شباب حي القابون وعوائلهم أيضاً. اتفاق “البارون” مع النظام على التهجير، هو “لا اتفاق”، فلا بنود ولا اشتراطات، ولا حتى الحصول على تعهد من النظام بخصوص الإفراج عن معتقلي المعارضة، مستغلاً النفسية المدمرة للمقاتلين بعدما حل بهم من خسارات متتالية، وعدم قدرتهم على الإجماع على قرار علني بخصوص المفاوضات مع استمرار تقدم مليشيات النظام.
إخلاء تشرين والقابون، لا يمكن تحميل وزره لــ”البارون” وحده، فاقتتال فصائل الغوطة وإغلاق طرق الإمداد كان سبباً أساسياً في تقدم مليشيات النظام، فضلاً عن نية القادة العسكريين والمفاوضين بتسليم المنطقة منذ بداية المعركة عبر المفاوضات مع النظام. صلاح الخطيب، وأبو زاهر المدني، وسميح البغدادي، كوسطاء مع النظام، بالإضافة إلى أبو راشد الحوت، القيادي في “أحرار الشام”، وأبو مسلم الطيب قائد “فيلق الرحمن” في القابون، وأبو رضا المدني والشيخ يوسف ليلى القياديين في “جيش الإسلام” في تشرين والقابون، كان لهم الدور الأكبر في تسليم المنطقة، بهذه الطريقة، التي تعتبر وصمة عار ستطارد المعارضة، بعدما تخلت عن أرضها التي دافعت عنها سنيناً طويلة، وخسرت أبرز مقاتليها فيها، من دون تحقيق شروط الحد الأدنى، أو التفكير بمصير مئات المعتقلين من أبناء الحي.

التسريبات الصوتية المسربة، أكدت ما سبق ونشرته “المدن” قبل أيام، عن نية “اللواء الثامن” التابع لـ”جيش الإسلام” الانسحاب من حي القابون وإيقاف المعركة. وأوضح التسريبات، أن أطراف التفاوض في أحياء القابون وتشرين، تتمثل بأحد أصحاب السوابق، وتجار مقيمين خارج القابون، أحدهم سميح البغدادي. وأبو عبدو “البارون”، المفاوض الذي ظهر مؤخراً ليحلّ القضية بشكل كامل، هو أحد تجار السلاح في المنطقة، ومسؤول عن تهريب البشر من الأحياء الشرقية إلى ريف ادلب، بالتعاون مع ضباط النظام، بمبالغ تصل إلى 3000 دولار للشخص الوحد. المفاجئ في أمر “البارون” أنه شغل موقع مدير “مركز الدفاع المدني” في حي تشرين.

وتواصلت “المدن” مع مدير “الدفاع المدني” في سوريا رائد الصالح، للاستفسار عن علاقتهم بـ”البارون”، وتصدره مفاوضات تسببت بتهجير قسري لآلاف البشر. الصالح أكد إعفاء “البارون” من مهامه كمدير للمركز في قرار صادر عن “الدفاع المدني” في 31 آذار/مارس، بعد شكاوى متعددة وردت إلى الإدارة. ولكن وبسبب الحملة العسكرية الشرسة للنظام على حي تشرين، منذ 18 شباط/فبراير، فقد بقي “البارون” مُسيّراً لأعمال “المركز” حتى انتهاء المعارك، والتمكن من إجراء مسابقة لتعيين بديل عنه.

ومن المتوقع أن يتم تسليم أحياء القابون وتشرين للنظام، في غضون أيام. ومن يريد مواصلة القتال فقد انسحب إلى الغوطة الشرقية. وبقي العشرات فقط في حي القابون ينتظرون الموعد الثاني لخروج الدفعة الأخيرة من تلك الأحياء قبل سيطرة النظام عليها.

رابط المادة