الأزمة الآذرية الأرمينية وعلاقتها بسوريا

مراسل سوري – علاء الدين الخطيب

الأزمة في هذه المنطقة الحساسة تمتد لعدة قرون عبر التاريخ. لكن يمكننا العودة لبدايات القرن الماضي لقراءة تاريخية مختصرة. في بداية العشرينات وبعد الحرب العالمية الأولى وانهزام الإمبراطورية العثمانية وبعد حروب بين أذربيجان وأرمينيا، قام ستالين بضم البلدين للاتحاد السوفييتي بالقوة وبالمقايضة. وضمن سياسة هذا الديكتاتور في “خلط” الإثنيات العرقية أجبر إقليم ناغورنو كارباخ ذو الغالبية الأرمنية على أن يكون محاطا بأراض أذربيجان ومنحه إدارة ذاتية ضمن أذربيجان، وأبقى إقليم ناختيشان ذو الغالبية الآذرية معزولا جغرافيا عن أذربيجان بالأراضي الأرمنية. وتحت الحكم الشيوعي السوفيتي البوليسي نامت الأزمة عقودا طويلة، إلى أن انفجرت الأزمة مع بدء انهيار الاتحاد السوفييتي بنهاية الثمانينات، وفي عام 1992 أعلن إقليم كاراباخ استقلاله عن أذربيجان بدعم من أرمينيا ودارت حرب عنيفة بين البلدين أدت إلى أن تحتل أرمينيا عدة مقاطعات من أذربيجان وحدوث عملية ترحيل هائلة لمئات الآلاف من الآذريين. انتهت الحرب بوساطة أوروبية روسية وأمريكية بمعاهدة مينسك عام 1994 التي أبقت الوضع كما هو عليه. هذه الاتفاقية لم تحاول إنهاء النزاع بل تجميده تحت سطح هش من الهدوء. 

أزمة 2016

تبادلت حكومتا أذربيجان وأرمينيا الاتهامات بالمسؤولية عن بدء وتصعيد النزاع المسلح الذي يهدد اتفاقية منسك الهشة أصلا. بعد خمسة أيام من الاشتباكات العسكرية خسرت أذربيجان حسب البيانات الرسمية 31 جنديا. بينما وحسب البيانات الرسمية الأرمنية فقد خسرت أرمينيا 20 رجلا و26 جنديا مفقودا. العلاقات بين دول جنوب القوقاز والدول المحيطة والكبرى معقدة لحد ما.

روسيا: تمتلك روسيا علاقات ممتازة مع أرمينيا كحليف استراتيجي وعسكري. أرمينيا عضو باتحاد الدفاع الجوي لجمهوريات السوفييت السابقة Joint CIS Air Defense System، وبالاتحاد الاقتصادي الأرو-آسيوي بقيادة روسيا.

بنفس الوقت تمتلك روسيا علاقات جيدة مع أذربيجان، رغم أنه تخللها بعض الاضطراب خلال العقدين الماضيين. لكن روسيا هي المصدر الأساسي للعتاد العسكري الآذري، بالإضافة لشراكة قوية في مجال الطاقة والبناء.

إيران: تمتلك إيران علاقات ممتازة مع أرمينيا أكثر قدما وثقة منها مع أذربيجان. بعد وصول روحاني للسلطة تحسنت علاقة إيران بأذربيجان نوعيا بعد بضعة أزمات خلال العقد الأول من الألفية الثالثة كانت بمعظمها شكوى الحكومة الآذرية من تدخلات إيران بالشأن الداخلي واتهامات بدعم الإرهاب في أذربيجان. لكن هذه العلاقات عادت للتحسن بشكل مطرد بعد 2013.

تركيا: من المعروف أن العلاقات التركية الأرمنية متوترة تاريخيا ولم يهدأ التوتر بشكل حقيقي خلال القرن الماضي أبدا. أما علاقات تركيا مع أذربيجان فهي علاقات ممتازة على كل المستويات خاصة مع وجود شعور شعبي بالتقارب الإثني بين البلدين.

من طريف العلاقات الإقليمية هنا. في 2009 عرضت تركيا اتفاقية رفع الفيزا بين تركيا وأذربيجان وأبدت الحكومة الآذرية موافقتها سريعا، لكن إيران طالبت بنفس الاتفاقية مع أذربيجان وإلا فإن إيران ستقطع الطريق من أذربيجان إلى ناخشيفان. مما أدى لسحب الاتفاقية مع تركيا. 

الاتحاد الأوروبي: علاقات الاتحاد الأوروبي بأرمينيا جيدة عموما منذ التسعينات، لكن أرمينيا لم تستطع مقاومة الضغط الروسي لعدم توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

علاقات أذربيجان مع الاتحاد الأوروبي جيدة، ويقدم الأوروبيون العديد من المساعدات الاستشارية للآذريين. والأهم بالعلاقات بين الطرفين هي تطلع أوروبا لاستيراد الغاز الطبيعي الآذري عبر خطوط نقل تمر بتركيا.

الولايات المتحدة الأمريكية: استطاع اللوبي الأرمني القوي في الكونغرس الأمريكي تجميد العلاقات مع أذربيجان إلى العام 2002، حيث أطلق جورج بوش العلاقات العسكرية والاقتصادية مع أذربيجان مقابل التسهيلات العسكرية الكبيرة التي قدمتها أذربيجان للأمريكيين في حربهم في أفغانستان ثم في العراق. ونتيجة ذلك دخلت الشركات الأمريكية حقل الطاقة الآذري بقوة. علاقات الولايات المتحدة مع أرمينيا بشكل عام جيدة ومتوازنة، كما هي مع باقي دول السوفييت السابقة.

الأسباب المباشرة للأزمة القوقازية:

تُرجح الكثير من التحليلات أن أذربيجان ربما تسعى لشن نوع من حرب الاستنزاف لاستعادة الأراضي التي احتلتها أرمينيا بحربهما الأخيرة في بداية التسعينات. وقد حققت خلال الخمسة أيام ماضية بعض التقدم واستعادت بعض النقاط المهمة عسكريا.

من ناحية ثانية فإن أذربيجان عانت الكثير بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز حيث فقد البنك المركزي ثلثي احتياطياته في محاولة دعم العملة الوطنية، وقد فرضت الحكومة ضرائب إضافية بنسبة 20% على المبادلات التجارية وفق شروط صندوق النقد الدولي لتقديم قروض للحكومة الآذرية. ارتفاع الأسعار هذا وكذلك ارتفاع نسبة البطالة ببداية 2016 أديا لخروج مظاهرات احتجاجية ضد الحكومة ببعض المدن الصغيرة، وهذه حالة نادرة تحت حكم إلهام علييف. هذه الأزمة الاقتصادية بالإضافة للديكتاتورية السياسية ربما تكون قد أدت أيضا للتحرك العسكري الآذري كوسيلة لحشد الشارع خلف القيادة السياسية وتنفيس الغضب الشعبي باتجاه الخارج.

يضاف لذلك أن الحكومة التركية تسعى لكسب أوراق أكثر في مواجهة الحكومة الروسية والأرمنية من خلال تأسيس حلف تركي آذري. فالبلدين وقعا معاهدة تحالف وشراكة استراتيجية واتفاقيات عسكرية كان من نتائجها تصدير بعض الأسلحة التركية لأذربيجان بالإضافة لمناورات عسكرية دورية.

بالنسبة لأرمينيا فإنها لا يمكن أن تغامر بحرب ضخمة دون دعم روسي كامل. خاصة أن تصريحات شركاء روسيا وأرمينيا في اتحاد الدفاع الجوي لجمهوريات السوفييت كازاخستان وبيلاروسيا كانت مشابهة لتصريحات المسؤولين الروس بضرورة احترام اتفاقية منسك وعدم التصعيد. لكن هذا لا يمنع أرمينيا من الرد بالمثل على أذربيجان بمعارك خاطفة سريعة خاصة لاستعادة بعض ما فقدته عسكريا.

أحد المفاصل الأساسية في منطقة جنوب القوقاز هي الاحتياطيات الكبيرة للنفط والغاز في أذربيجان. حيث يضع الاتحاد الأوروبي أذربيجان كمصدر أساسي محتمل في المستقبل للغاز الطبيعي والنفط. وقد تم توقيع الاتفاقيات اللازمة مع الحكومة التركية لتوسيع خط شمال الأناضول لنقل الغاز الطبيعي إلى تركيا وإلى أوروبا TANAP. هذا الخط يمر عبر الأراضي الجورجية إلى تركيا مقابل تزويد جورجيا بالنفط والغاز. تمثل جورجيا البوابة الجغرافية الأساسية لأذربيجان لتصدير النفط والغاز عبر البحر الأسود. من حسن حظ أذربيجان أن علاقات جورجيا متوترة جدا مع أرمينيا خاصة بعد آزمة أوسيتيا وأبخازيا في عام 2008 حيث وقفت أرمينيا بشكل كامل خلف التدخل الروسي ودعمت استقلال أوسيتيا الجنوبية. من ناحية ثانية فإن اقتراحا جديا قيد التداول حول رفد خط الغاز الآذري بخط غاز يأتي من شمال إيران مما يزيد من تعقيد تشابك المصالح في هذه المنطقة.

التطور المهم بعد معارك الأيام الخمسة الماضية هو إعلان روسيا أنها ستتابع تزويد أذربيجان وأرمينيا بالأسلحة العسكرية. وإعلان الرئيس التركي أردوغان دعمه المطلق لأذربيجان حتى النهاية.

تبدو الصورة في جنوب القوقاز شديدة التعقيد ومتداخلة بشكل كبير بين مصالح الدول الإقليمية ونزاعاتها التاريخية وضمن أهمية المنطقة في سوق الطاقة العالمي. لكن من الواضح أن اليد العليا في هذه المنطقة ما زالت لروسيا التي تمسك بمفاصل اللعبة السياسية هناك، ثم يأتي الدور التركي والإيراني. لا يبدو الغرب قلقا جدا حول مصالحه مقارنة بالجهد والتكاليف الضخمة التي تتطلبها معركة إخراج أنياب الدب الروسي من هذه المنطقة. ضمن الصراع العالمي الحالي بين روسيا والصين وبين الغرب يبدو أن الكفة تميل مرحليا لمصلحة أذربيجان لتحقيق بعض التقدم العسكري واستعادة بعضا من أراضيها المحتلة من قبل أرمينيا لفرض واقع عسكري على الأرض يرغم أرمينيا وحكومة ناغورنو كارباخ للعودة لطاولة المفاوضات.

ما هي علاقة الأزمة القوقازية بسوريا؟

هناك علاقة قوية بين الأزمتين لأن الدول المتداخلة والمتصارعة في سوريا هي نفسها في المتداخلة في الأزمة القوقازية. وروسيا تمارس نفس التكتيك في فرض نفسها كقوة عالمية عظمى تستطيع التدخل بحسم عندما ترى أن مصالحها تستدعي ذلك. فمثلما تدخلت عسكريا بسورية لقلب ميزان القوى العسكري، تحركت روسيا سريعا وبحسم للسيطرة على الصراع العسكري بين أذربيجان وأرمينيا ومنع أي دور غربي حقيقي في الأزمة. ولا يبدو أن لتركيا تأثيرا حقيقيا على مجريات الصراع هناك يتجاوز الخطوط الحمراء الروسية. روسيا تحدد مجالها الحيوي الجغرافي في وسط آسيا والقوقاز وصولا للشرق الأوسط وتضع الغرب أمام خيارين: إما التدخل المباشر وهذا ما لا يحتاجه الغرب، أو إعادة النظر بسياسة الحروب بالوكالة.

تركيا تدرك أن تدخلها بالأزمة القوقازية، خاصة أنه يتلاقى جزئيا مع الرؤية الإيرانية، سيضيف نقاط قوة لصالحها في أزمتها المتصاعدة مع روسيا بعد أن تخلى عن تركيا حلفاؤها الغربيون في سوريا.

قد يكون للتهدئة في جنوب القوقاز تأثير إيجابي على سوريا، لكن أي تصعيد كبير للأزمة سيؤدي حكما لآثار سلبية على سوريا.

رابط الموضوع