إليوت هيغنز: الرجل الذي لاحق أدلة الكيماوي دون تكليف من أحد!

Eliot Higgins Foto: Marius Nyheim Kristoffersen

مراسل سوري 

أورينت نت – عمر الخطيب

في منزله في مدينة (ليستر) الإنكليزية وعلى بعد أكثر من 5000 كيلومتر عن دمشق، يجلس الشاب الثلاثيني (إليوت هيغنز) Eliot Higgins أو (براون موسز) Brown Moses، حسب الاسم الذي اشتهر به، أمام شاشة كمبيوتره المحمول يتابع ويحلل الفيديوهات التي يرفعها السوريون على الشبكة العنكبوتية. يعيد ترتيبها حسب تاريخ ومكان حصولها في قاعدة بيانات، تعتبر مرجعاً مهماً لتطورات المواجهات بين الشعب السوري وبين النظام الذي لم يوفر سلاحاً من ترسانته في تلك المواجهة، بما في ذلك الكيماوي!

(هيغنز) الذي جمعه مع السوريين ذلك التعاطف الإنساني بعدالة قضيتهم، خارج روابط الدين والقومية والجغرافيا والانتماء، تمكن من تحقيق اختراقات مهمة في كثير من القصص التي حاول نظام الأسد تزييفها أو التستر عليها، ولعل حضوره الأبرز جاء من خلال عمله في تحليل نوعية الأسلحة التي يستخدمها النظام السوري، والذي بدأ كهواية، ثم تحول إلى مرجع مهم لكثير من جمعيات حقوق الانسان ووسائل الإعلام.

اكتسب (هيغنز) شهرة كبيرة حين خرج على العالم العام الماضي، بمقال تحليلي مدعم بالصور ومقاطع الفيديو ، يبرهن فيه على قيام النظام باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين السوريين، ويوضح فيه نوع القذائف المستعملة، ويبرهن أن النظام هو من أطلقها على مدنيي الغوطة الشرقية ومدينتي المعضمية وداريا.

هيغنز في الحقيقة ليس بصحفي ولا علاقة سابقة له بالأسلحة وعالم الحروب، ولكن كمية الفيديوهات التي وضعها السوريون على الشبكة لإيصال صوتهم كانت دافعاً لهذا الشاب البالغ من العمر ( 34 عاماً ) للاهتمام بمتابعة وأرشفة هذه الفيديوهات وتحليلها وصولاً إلى دخوله معترك الإعلام، وتفنيده الكثير من روايات نظام الأسد الكاذبة، وكان لرأيه المزيد من المصداقية أمام الجميع، بسبب قوة حججه ومعرفته الدقيقة والمدهشة بالحدث والجغرافية السورية.

يتابع هيغنز يومياً 450 قناة في موقع (يوتيوب YouTube ) تتوزع بين مواقع تابعة للثورة السورية من ناشطين وتنسيقيات بالإضافة للكتائب ذات التوجه الديني وبين مواقع النظام سواء الرسمية أو الغير رسمية الفردية منها والتابعة لحلفائه من ميليشيات في لبنان والعراق.

يعمل هيغنز قرابة 16 ساعة باليوم كلما أتيح له ذلك، وحتى حين يكون في الحافلة فإنه لا يتوقف عن فحص حسابه على “تويتر” والبحث عن آخر ما نشر من لقطات وصور.

في معرض تحليله لمجزرة الكيماوي التي نفذها النظام في 21/ 8/ 2013 يتكلم (هيغنز) بداية عن نوع القذائف المستعملة حيث يجد أنها قذيفة مدفعية من نوع M14) ) عيار 140 ملم، وصاروخ مجهول.
لا يستخدم الثوار هذا النوع من القذائف الصاروخية بالنسبة للـ M14 أما الصاروخ المجهول، فيقول عنه (هيغنز) انه ظهر مسبقاً في داريا، لكن حمولته لم تكن كيماوية، بينما تم توثيق استخدام هذا الصاروخ المجهول في هجوم كيماوي في منطقة عدرا في 5/8/2013.

رسم بياني للصواريخ المجهولة التي استخدمت في الهجوم الكيماوي

(سي جي تشيفرز) المراسل الحربي المخضرم لصحيفة (نيويورك تايمز) يقول عن براون موسز : “الكثير من الناس سواءً اعترفوا بذلك أم لا، يدينون في عملهم اليومي إلى مدونة براون وما تضعه من تحليلات للفيديوهات”.

بالإضافة إلى مساهمته التطوعية المذهلة في تثبيت مسؤولية نظام الأسد عن مجزرة الكيماوي، فإن أهم ما قدمه هيغينز للثورة السورية في سياق ملاحقته للأسلحة التي يستخدمها النظام في حربه على السوريين:
• كان هيغنز أول من تابع قضية استخدام القنابل العنقودية في سوريا من قبل النظام، وقام بالتحقق قبل نشر الموضوع على مدونته، مقدماً قاعدة بيانات، من مقاطع الفيديو للقنابل العنقودية المستخدمة في جميع أنحاء سوريا، جنبا إلى جنب مع خريطة المراجع وتفاصيل عن نوع الأسلحة المستخدمة.

• تم رصد القنابل العنقودية لأول مرة عن طريقه في صيف عام 2012، والتي بدأ استخدامها على نطاق واسع بدءاً من شهر تشرين الأول 2012. وحاول النظام السوري أن ينفي استخدامه لهذه القنابل لكن قابله هيغنز بقاعدة بيانات ما يقرب من 500 تسجيل فيديو توثق استخدام القنابل العنقودية، المحرمة دولياً.

• قام بتقديم تقارير عن البرامل المتفجرة DIY التي ألقيت من الطائرات المروحية، حيث سخر الروس من هذا الادعاء ووصفوه بالتافه، لكن هيغنز قدم لقطات واسعة واضحة تشير إلى عشوائية هذه البراميل وآثارها التدميرية الكبيرة.

هيغنز… صورة للإنسان الذي شهد أولى مآسي القرن الحادي والعشرين الكبرى في غوطتي دمشق، فراح بتكليف من ضميره، ومن إحساسه بالانتماء لضحايا الكيماوي من الأطفال والنساء، يقدم عملاً مشرفاً، يستحق من خلاله أن يبقى في ذاكرة السوريين طويلاً.

مدونة براون موسز
صحيفة الغارديان
مدونة براون موزس بالعربي