إلى أين يذهبون؟.. لبنان تطرد آلاف السوريين من مخيماتهم “لدواعٍ أمنية” والجيش ينذرهم بالإخلاء

قبل أسبوعين، كان “الدلهمية 067” مخيماً غير رسمي للسوريين، يحتوي على أكثر من 105 خيم. واليوم لم يعد المخيم موجوداً، والأرض جاهزة للزراعة مرة أخرى. وكان تامر اشتيوي، اللاجئ السوري من حمص، يتفقد أشياءه أثناء حديثنا معه، ليتأكد من أنّه لم يترك شيئاً خلفه.

وقال: “جاء الجيش اللبناني، وأخبرنا بأنَّ علينا الرحيل لأننا قريبون أكثر من اللازم من قاعدةٍ عسكرية”. وقضى تامر وبعض جيرانه بضعة أيامٍ يبحثون عن مكانٍ جديد يخيّمون فيه.

وأضاف: “مررنا ببقعةٍ ممتازة، لكنها ما زالت قريبة جداً من الجيش. ثم وجدنا قطعة أرضٍ أخرى، لكنَّها صغيرة جداً. تمكّنا من بناء 70 خيمة فقط هناك. كانت لدينا 100 خيمة هنا. ونحن مكدّسون. وبسبب هذا، اضطر البعض للارتحال إلى مكانٍ آخر. وهُناك آخرون ما زالوا يبحثون لأسابيع، ولم يجدوا أرضاً جديدة بعد”.

جرت عمليات الإخلاء دون استخدام العنف، لكن الانتقال إلى معسكرٍ جديدٍ يُعد تحدياً بالنسبة لهؤلاء اللاجئين المعرضين للخطر، وفقاً لما ذكر موقع ميدل إيست آي البريطاني.

وعلى بُعد دقيقتين فقط بالسيارة يقع مخيم “الدلهمية 082” الجديد. وانتقل حوالي 700 شخص من مخيم 067 إلى هناك قبل أسبوعين، ومازال المخيم في طور الإنشاء. تمتلئ شوارعه بالركام، وأغلب الخيام تفتقر إلى المكونات الأساسية مثل الملاءات البلاستيكية، والأرضيات الإسمنتية، والألواح الخشبية.

وقال محمد تركي، اللاجئ السوري البالغ من العمر 43 عاماً من دير الزور: “طوينا خيامنا، ووضعنا كل شيء في الشاحنات، وأتينا هنا. أنا قلقٌ الآن، أخشى أن يحدث الأمر مجدداً”.

طلب سائقو الشاحنات حوالي 30 دولاراً أجرة الانتقال بضع مئات من الياردات بعيداً عن المخيم القديم.

وبالنسبة لمحمد وجيرانه، هذا مبلغٌ هائل؛ فمصدر دخلهم الوحيد هو العمل غير النظامي في المزارع، ما يجلب لهم بضع دولاراتٍ متفرقة.

لا أحد يكترث لأمرنا

وقال أبوأحمد، أحد الجيران، وهو يُحاول ترتيب منزله الجديد حيث يعيش مع زوجته وأولاده السبعة: “لا أحد يكترث لأمرنا. ليس لدينا حتى ألواحاً خشبية وخزانات مياه تكفي الجميع”.

وفي الخيمة المجاورة له كانت تعيش أرملة تبلغ من العمر 36 عاماً من دير الزور مع أطفالها الثمانية. وقالت: “كيف تُريد منّي أن أشعر؟ لا أحد هُنا ليساعدني. زوجي ميت وأطفالي صغارٌ جداً”.

وأشارت إلى الغرفة الخاوية، التي هي الآن منزلها الجديد. وكل ما تملكه كان موقداً أعطته إياها منظمة غير حكومية قبل أربعة أعوام.

وأضافت: “أمرنا الجيش بأن نرحل، لذا جئنا هنا. لم آخذ شيئاً معي. لا أملك شيئاً على أية حال”.

ورفض الجيش اللبناني الإجابة عن أي أسئلةٍ متعلقة بالأمر.

كان الجيش اللبناني قد بدأ توجيه إنذاراتٍ شفهية بالإخلاء في بداية أبريل/نيسان. ويبدو أنَّ السبب هو قُرب المخيم من قاعدة رياق العسكرية والمطار.

وعلى العكس من بلدانٍ أخرى مثل تركيا والأردن، لا تستضيف لبنان أي مخيماتٍ رسمية للاجئين.

وترجع تلك السياسة بالتحديد إلى التاريخ القريب للبلاد مع اللاجئين الفلسطينيين، ومن المفترض أن تحول دون التواجد طويل المدى للسوريين في البلاد.

ويستقر اللاجئون على أراضٍ خاصة، مُنشئين ما تسميه الحكومة بـ”مخيماتٍ غير رسمية”.

هناك أكثر من 3000 منها في وادي البقاع، لكنَّ لبنان مررت في أكتوبر/تشرين الأول قانوناً جديداً يحظر بناء أي مخيماتٍ جديدة. وليس معروفاً ما سيحدث للمخيمات الجديدة المبنية عقب الإخلاءات.

وتقول لمياء الفقيه، نائب رئيس قسم الشرق الأوسط بمنظمة هيومن رايتس ووتش: “بعث الجيش بإنذارات إخلاء لأكثر من 10 آلاف لاجئ في البقاع، دون خطة توضّح أين سيذهبون. ويعيش اللاجئون هُنا في خوفٍ من فقدان منازلهم”.

وحتى الآن، طلب الجيش من سكَّان 1800 منزلٍ في نطاق 6 كليومترات إلى 9 كيلومترات من مطار الرياق العسكري إخلاء منازلهم.

وقالت دانا سليمان المتحدثة باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن عدد اللاجئين المهددين بإخلاء مخيماتهم في محيط مطار رياق يقارب عشرة آلاف.
وأشارت دانا في حديث للجزيرة نت إلى أن القرار لم ينفذ حتى الساعة بسبب استمرار الاتصالات مع السلطات الأمنية والإدارية في المنطقة، وبانتظار التمكن من إيجاد بدائل ملائمة، خاصة أن الموسم الدراسي لم ينته.

وبحسب منظمة ميدير غير الحكومية، المتخصصة في حصر المخيمات غير الرسمية، يعيش آلاف اللاجئين في مناطق الإخلاء.

وتقول رين حنا، إحدى مديري منظمة ميدير: “إن نظرنا إلى نطاق 6 كيلومترات، فنحن نتحدث عن 379 مخيماً، أو 17917 فرداً. وإن توسّعنا إلى 9 كيلومترات، يزيد العدد إلى 717 مخيماً، أو 39630 شخصاً. هذه أول خطَّة إخلاءٍ كُبرى نشهدها في لبنان، والمشكلة أنّه ليس من الواضح إلى أين يمكنهم الذهاب”.

قاعدة الرياق الجوية

قاعدة الرياق الجوية بنتها ألمانيا في أثناء الحرب العالمية الأولى، وكانت حينها تحت سيطرة الانتداب الفرنسي قبل تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبعد أن تركها الجيش شبه مهجورة لعقود، استعادت القاعدة أهميتها الاستراتيجية مع اندلاع الصراع في سوريا المجاورة.

وهي أيضاً المطار الأقرب إلى بلدة عرسال، حيثُ يحتجز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) 9 جنود لبنانيين منذ عام 2014.

وفي قرية الرياق، لم يُثِر قرار طرد السوريين من محيط المطار كثيراً من الضجة.

قال عضوٌ بالمجلس المحلي: “طالب الجيش اللبناني السوريين بالمغادرة لدواعٍ أمنية، ونحنُ لا نُبالي بالقرار”.

وقال أحد سكان القرية: “المطار صار أكثر نشاطاً مؤخراً. والقوات اللبنانية والجيوش الأجنبية تستخدم القاعدة. من الأفضل لأمننا أن يبتعد اللاجئون. فالسوريون يختلقون المشاكل. والكثير منهم دخلوا البلاد بطرقٍ غير شرعية، لا ندري من هم ولا نعرف ما يقدرون عليه”.

وما زال الإطار الزمني لانتهاء عمليات الإخلاء غير واضح.

وبالنسبة للمنظمات غير الحكومية، يُعتَبَر القرار أمراً خطيراً، لأنه قد يخلق سابقة تسمح بالمزيد من الإخلاءات مستقبلاً.

ويخشى العاملون الاجتماعيون من تزايد الضغوط على اللاجئين السوريين، ما قد يدفعهم إلى العودة إلى سوريا.

وقال مايك بروس، أحد المتحدثين باسم المجلس النرويجي للاجئين، في حوارٍ مع وكالة رويترز: “نُريد فعلاً التيقن من أنَّ الإخلاءات لن تُستَخدَم كبابٍ خلفي لإجبار اللاجئين على العودة إلى سوريا”.

المصدر: هافبوست.