إدلب.. هيئة تحرير الشام تدفع ثمن الانفلات الأمني الذي أطلقته ورعته

الصورة لسيارة الدفاع المدني ,وجدت محروقة بعد سرقتها واغتيال سبعة من عناصر الدفاع المدني

مراسل سوري – خاص 

تعيش مناطق الشمال السوري حالةً مريعة من الفلتان الأمني، تمثّل بعمليات تصفية واغتيال لشخصيات عديدة، وتفجيرات في مناطق عدة، واقتتالاً بين أبرز فصائل المنطقة، وسرقات وخطف متكررة، مروراً باحتقان شعبي متزايد إثر هذا الوضع الذي جعل المنطقة تعيش حالة ترقب لما ستؤول إليه أمورها نظراً لمتغيرات السيطرة عليها.

الانفلات الأمني
وبدأت حالة الفلتان الأمني الممنهج بالظهور إلى العلن وبشكل ملحوظ بداية العام الجاري 2017، وقبيل أيام فقط من قيام هيئة تحرير الشام بعملية عسكرية موسعة استأصلت فيها فصيل أحرار الشام، المنافس الوحيد المتبقي على الساحة ، وتزامنت مع عودة أعداد كبيرة من عناصر تنظيم “جند الأقصى” المبايع لتنظيم داعش إلى محافظة إدلب وريف حماة الشمالي، ومعروف أنه تم إبعاد هذا التنظيم إلى مناطق سيطرة داعش بموجب اتفاقه مع هيئة تحرير الشام برعاية وضمان فصيل “الحزب الإسلامي التركستاني”.

وجرت خلال ذلك عشرات حالات الاغتيال والخطف، اتسمت بدقة عالية، ويكاد المراقب أن يصفها بأنها عمل مافيات مدربة، إذ اشتركت بسرعة ودقة أدائها، ونوعية أهدافها، خصوصا وأن بعضها جرى في وضح النهار، وسط غياب تام لأي جهة أمنية تلاحق أو تضبط هذه الانفلات.

وشهدت أبرز المراكز الحيوية في الشمال السوري النسبة الأكبر من هذه الحوادث؛ لا سيما مدينة إدلب، والتي عاشت حالة رعب يومية إثر تفجيرات كثيرة، إضافة إلى تفكيك عشرات العبوات الناسفة في مختلف أنحائها.

خلايا داعش
تطورت هذه الأحداث وبشكل مثير حتى (9 يوليو تموز الفائت)؛ حيث أعلنت هيئة تحرير الشام عن عملية مفاجئة ضد من وصفتهم بخلايا داعش، أثارت استغراباً واسعاً حول كيفية وصول هذه الأعداد إلى مختلف الشمال المحرر، لا سيما بعد إفصاح الهيئة عن عدد المقرات والأوكار التي داهمتها، وعن عنف الاشتباكات مع تلك “الخلايا”، فهل تم التغاضي عن دخول هؤلاء لاستخدامهم لاحقاً؟
أسفرت هذه العملية عن مقتل وإصابة العشرات في مدن إدلب وسراقب وسرمين وسلقين وبلدة إسقاط، وأعلنت تحرير الشام عن أسرها 100 “أمني لتنظيم داعش”، عقب مداهمتها 25 مقراً لهم.

اقتتال الفصائل
لم تكد تحرير الشام تنتهي من هذه العملية حتى بدأت قتالاً عنيفاً ضد حركة أحرار الشام الإسلامية، انتهت بسيطرة تحرير الشام على المنطقة بشكل كامل، سقط خلاله عشرات القتلى والجرحى بينهم مدنيون.

وأدى هذا الاقتتال إلى خلق فوضى عارمة واحتقان شديد لدى المدنيين ضد الفصائل المتناحرة؛ لا سيّما تحرير الشام، أعقبها تزايد للانفلات الأمني الذي تمثل باغتيال عدد من القياديين في صفوفها، وبشكل متصاعد الوتيرة امتداداً إلى اغتيال سبعة من عناصر الدفاع المدني في مركزهم في مدينة سرمين فجر يوم السبت الماضي.

وتشير الأحداث الأخيرة إلى أنّ هيئة تحرير الشام قد تسترت بين صفوفها على نحو 2500 عنصر ينتمون لداعش كانوا قد عادوا من مناطق سيطرته، بينهم عشرات القادة، وقد اعتبرتهم تحرير الشام ورقتها الأخيرة في استئصال أحرار الشام في حال لم تنجح عبر قوتها الخاصة.

وهذه الأعداد الكبيرة من عناصر داعش عادوا بعد منحهم وعوداً من قبل تحرير الشام بمشروع مشترك لإنشاء خلافة أو إمارة إسلامية؛ حيث خصص لهم قيادات تسهل حركتهم وتنقلهم، وتؤمّن نقلهم للأموال والسلاح بين مناطق الشمال ومناطق سيطرة تنظيم داعش.

اغتيالات ممنهجة
وجد عناصر داعش ممن عادوا إلى المنطقة زيف المشروع الذي استدرجوا به، وأنهم وقعوا في فخ استخدامهم ورقةً لغاية معينة، وذلك عقب نجاح تحرير الشام عبر “جيش النصرة” -وهو ذراعها القوي في البادية بريف حماة الشرقي- باستئصال أحرار الشام.

بدأت هذه العناصر بعدها بعمليات تصفية ممنهجة لقياديين في تحرير الشام مثل “أبو الطيب الحموي”، وهو المسؤول الأبرز عن نقل العناصر الداعشية وإيواءها، وتأمين تنقلاتها في الشمال السوري،وتصفية “عامر محمد الجمال أبو المتوكل”، وهو مسؤول المنظمات في تحرير الشام، حيث عثر على جثته في بئر مهجور بالقرب من مدينة كفرنبل.

تحوّل عناصر داعش خلال تنفيذهم هذا العمليات التي تعد انتقامية إلى خلق فوضى أمنية كبيرة في الشمال السوري، من خلال تفجيرات يومية تحصل في المناطق الحدودية؛ مثل مدن الدانا وسرمدا، إضافة إلى مداهمات واعتقالات بحق مؤسسات مدنية وخدمية.

ومع استفحال خطر الانفلات الأمني في المنطقة يظهر بشكل جليّ عجز الذراع الأمني لهيئة تحرير الشام عن إلقاء القبض على المنفّذين، أو وضع حد لتصرفاتهم، الأمر الذي يدفع تحرير الشام لمعركة داخلية شرسة قد تفضي إلى انقسام كبير في صفوفه.