أنا وابنتي وبشار الأسد

مراسل سوري – هنادي الخطيب

تعرف ابنتي أن اسمها مأخوذ من قرية تاريخية سورية “صيدنايا”، وتستمتع برواية معنى اسمها كلما سألها أحد عن معناه “تشعر بأهميتها ربما”..
أمس استيقظت بقرار خطير، وقفت على الكنبة وأعلنت لي ولأمي أن اسمها من الآن فصاعداً هو “سوريا”، وبقيت مخلصة لفكرتها طوال النهار، وكلما ناديتها باسمها نظرت لي بغضب وقالت “قلتلك اسمي سوريا.. وانتي أم سوريا”.
عندما خرجت من سوريا كان عمرها أشهراً قليلة، وعندما أتحدث عن سوريا تنصت لي باهتمام أستغربه من طفلة لا يتعدى عمرها الأربع سنوات وبضعة أشهر، تستفز جارتي اللبنانية وتقول لها أن سوريا أم لبنان، وسوريا أم أفريقيا، وسوريا أم أوروبا، وعندما تضحك جارتي ذات اللهجة اللبنانية المحببة، تبكي ابنتي وتهمس في أذني “هي ما بدا يعني سوريا تكون أمها؟ ما عاد حبا”، وبالطبع أمارس أنانية شخصية بدون انتباه في هذه اللحظة وأجعل فكرتها أكثر عمقاً “مبلى ماما، هي بتعرف أن سوريا أم العالم كلو”.
علم الثورة معلق في صدر الصالون، تسميه ابنتي “حرية” بينما تسمي علم البلد المقيمين فيه “علم الوطن”، تحفظ نشيد “علم الوطن” وتغني لسوريا “سوريا لينا وماهي لبيت الاسد.. عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد”.
أسئلة مربكة أضطر لإيجاد أجوبة لها كل يوم “ليش بشار شرير؟ مو لازم نحنا نرجع لسوريا لنضربو؟” وعندما أجيبها بأن ثمة ثوار سوف يساعدوننا بالعودة “شو يعني ثوار؟ يلي بغنوا سوريا لينا؟ ايه أنا كمان بغنيها”.
أنا من مدينة قطنا، مدينة في الريف الدمشقي، لم أعرف كم أحب مدينتي إلا بعد أن تظاهرت فيها، ولم أعرف أن النقاب الذي ارتديته في تلك المظاهرات جعل مني امرأة أخرى، إلا بعد أن بدأت صور النقاب الداعشي تكتسح الأخبار السورية، أحاول عبثاً أن أقنع أصدقاء من جنسيات مختلفة أنني ارتديت نقاباً يختلف عما يشاهدونه، أكلمهم عن أول أيام الثورة، أشرح لهم أننا كلنا السوريين امتلكنا شعوراً لن نستطيع استعادته في كل هتاف خرج من حناجرنا ضد الاسد وشبيحته، عندما أشعر باليأس أفكر “ربما يكون معهم حق، الثورة اليوم لا تشبه الثورة بالأمس، والموت اليوم لا يترك فسحة للحياة”.
ابنتي “نايا”.. تهتف لسوريا كل يوم، تعرف كم أكره بشار الأسد وتطلب مني أن أعيدها إلى سوريا لتستخدم عصاها السحرية لتحوله إلى نملة، ولا أعرف لماذا تختار النملة دائماً، ربما لأنها الكائن الوحيد الذي تشعر أنها أقوى منه وتستطيع أن تقتله.
ابنتي “نايا”.. توافق على تقبيل أي شخص عندما تعرف أنه من سوريا “احياناً أكذب عليها لخجلي من اصدقاء لم تسلم عليهم”، تأكل أي طعام عندما أوهمها أنه من سوريا وعندما لا تستسيغه تقترب من الصحن وتهمس “Iam sorry” وتخبرني “ما حبيتو ماما.. بس اعتذرت من سوريا”..
ابنتي “نايا”.. ستعود إلى سوريا ما بعد الحرية، وربما لا أكون معها، ولكنها ستتذكر دائما أن أمها حلمت بسوريا كل يوم وارتدت حريتها متأخرة، وستحكي لابنتها عن جدتها التي خرجت من سوريا معتقدة أنها ستعود بعد بضعة اشهر، ولكنها دفنت في الغربة لأن الشيطان لم يمت قبلها.