أطفال سوريا بين الخوف والحنين

لوحة رسمتها الفنانة السورية "جورجينا صياد"

مراسل سوري – ريم الحمصي 

 

ناضل الأطفال في سوريا لأخذ حقوقهم التي سُلبت منذ برهةٍ طويلة، كالغذاء والتعليم و الحياة والشعور بالأمان والحماية و احترام كرامتهم.
مع استمرار الصراعات والحروب تتفاقم الأزمات النفسية للأطفال مما يستوجب الرعاية والاهتمام الخاص بهم، ليس فقط من خلال المؤسسات الأهلية والتطوعية وإنما من خلال دور الأهل والأسرة ويرجع سبب ذلك لعدم نضج الأطفال نفسياً واجتماعياً. على حد قول الاخصائية النفسية عبير والتي ترى : ” أن الأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال قصف منازلهم أو هدمها أو اعتقال أو قتل ذويهم أو حتى من خلال مشاهدتهم تلك الأحداث عبر التلفاز غالباً يصبحوا ضحية للخوف والكآبة والعنف والكوابيس وفقدان للشهية وشعور بعدم الاستقرار والحزن والتردد والتبول اللاإرادي وغيرها العديد من الاضطرابات الانفعالية التي ينتج عنها اهتزازاً بالإنسان نفسه وبالآخرين ” ، وتتابع حديثها : ” أن الأطفال غالباً ماتسوء حالتهم النفسية في الحروب لعدم ادراك ذويهم لما يعانونه، فهم قد يعبروا بطريقة تستفز الكبار ك ( الصراخ،  البكاء، الشرود، العنف)  خاصة لمن ليس لديه المعرفة الكافي عن الطفولة ومشكلاتها.

إذا كانت طاقة الكبار لاتتحمل ظروف الحرب فكيف هي طاقة الصغار؟ كيف ينظرون للحرب؟  إلى من يشتاقون؟ وبماذا يحلمون؟
سؤال طرحته على أطفال ٍ سوريين ، جمعتهم براءة الطفولة وقساوة الغربة والشوق لوطنهم أو ربما لأشخاص فقدوهم هناك.
خلف تلك العيون البريئة والقلوب الصافية والنقية عالم وردي مليء بالأحلام السعيدة وعلى الرغم من قساوة ماعاشوه إلا إنهم لم يتخلوا يوماً عن حقهم في الحلم والحب والتعبير عن مشاعرهم ( كالحزن والأسى والشوق والحنين) .

أحمد ذو الخمس سنوات ونصف طفل نشأ على حب وطن لايرى أجمل منه وطن ، يشتاق  إليه وإلى صديق المدرسة الذي تركه منذ عام ، تقول والدته : كل سنة مننزل على سوريا بحاول حسسو بالأمان والاستقرار وبعطيه دافع قوة كبير أنو يعيش طبيعي رغم كلشي عم يصير لأنو بنظري الطفل بأمس الحاجة للشعور بالأمان والاطمئنان وهاد مابيستمدوا غير من الكبار حتى لما نرجع من سوريا منضل عم نرسم صور ببالنا كأنها مدينة الأحلام… هاد مابيخفي أنو ابني من سنة وهو كل يوم قبل ما ينام بيدعي” يارب تحمي أوس ويضل عايش ”  بالنهار بقلي دقي اطمني عليه ليكون انخطف هو وأمو..تغلبت معو على هالأفكار السيئة… تعلم ابني يكتب اسم رفيقو وبيكتبلو رسائل كتير ليقلو قديه مشتقلو… 

 روان ٦ سنوات تشتاق إلى مدينتها وتتسأل عن موعد الرجوع إليها ( وقت تسمع أنو في قصف على حارتها بحمص بتصير تبكي ، بتخاف على بيتها ومرجوحتا وبتضل تسأل إذا لساها موجودة أما لأ) .

أم رائد ترى أن خوف وقلق الأطفال ماهو إلا انعكاس خوف وقلق الكبار حوله و ابني بمثابة خير تجربة رأيتها أمامي، رائد يبلغ من العمر 7 سنوات عبّر عما بداخله بالرسم فهو كان على حد قول والدته : ” يرسم رسومات عن أناس يموتون وعن تفجيرات ، استطعتُ تجاوز هذه المحنة بالحديث معه والتخفيف من الكلام عن سوريا وأحداثها وخلي أهلي دائماً يبعتولي صور للشام ، هلأ صار يحبا وبس بدو ينزل “.

كبروا قبل أوانهم
طفولة منسية سكنت في أطفال عاشوا  الحرب و مازالوا يعانون منها ”  صدمات وكوارث تركت بصمتها في قلوبهم النقية مشاعر متضاربة بين حنينهم لماض ٍ بذكريات مؤلمة وخوفهم من حاضرٍ لا يستطيعون التأقلم فيه ” والأهم من هذا كله غياب دعم الأهل ليتجاوزوا هذه الكوارث. 

يونس قد خسر والده بالحرب فاضطرت عائلته للسفر مع جدته إلى الأردن ، هناك حيث بدأت الجدة باضطهاد إمه مما دفعها إلى العودة مع ابنها الرضيع وترك طفليها مع جدتهم، هذا الطفل على حد قول جارتهم : “كل ماسمع قصف بينشغل بالو على أمو وأخوه الصغير و دائماً بتحسيه ضايج وعنيف ، كتير كنت حن عليه… لما عرف إني راح مسافرة من الأردن ر اتصل فيني وجه الصبح ، قلتلو  خير خالة صاير شي فقلي لأ خالة بس أنا بحبك وسكر الخط…يمكن شاف فيني أمو يلي ماقدر يودعها قبل ماتسافر” .

عزام حُرم من والده الذي ابتلعته مياه البحر وهو في طريقه إلى أوربا (يشتاقُ إليه، يرفض العيش، قليل الكلام، يصحىو  على كوابيس، لا يأكل إلا عندما تجبره والدته التي ذاب قلبها على ولدها وزوجها).

سارة ١٧ عاماً تقول : ” عشت بالحرب بكل أنواعو جوع وحصار وتشرد وخوف ووووكلشي بيخطر ببالك وطلعنا من سوريا وأنا عمري ١٤ ونص بيت جدي أهل أبي ضلوا هونيك ولهلأ بشوفون بالمنام بفيق عم ابكي لأنو بالحرب كتير اتقربنا من بعض وكتير بشوف حالي بسوريا وعم اهرب من الضرب وعندي عقدة من الأخبار ما بقدر شوفها ولا بقدر احكي مع حدا من قرايبنا بسوريا لأني بمرض على قد ما بغص وأنا عم احكي معون يعني الحرب عقدتنا بشكل مابينحكا…. “.

و إذا الطفولة سُألت بأي ذنب قتلت 

تلك هي الحرب نتائجها المأساوية تلتحق بنفوس الأطفال الأبرياء و ترافقهم طيلة حياتهم ( حرمان ، جوع ،  خوف ، دم ودمار ، غربة) ، هذا ما قد يتذكرونه عن طفولتهم عندما تترد على مسامعهم مقولة ” ألا ليت الطفولة تعود يوماً “.

يشكل الأطفال نصف عدد اللاجئين السوريين ، هناك أكثر من 5 ملايين طفل يعانون من المعارك في سورية، ربع مليون طفل يعيشون تحت وطأة الحصار والجوع وأكثر  من مليوني طفل تتراوح أعمارهم بين السادسة والخامسة عشر حرموا من التعليم والدراسة بسبب الحرب والنزوح ليكونوا جيلاً كاملاً ضائعاً بكل معنى الكلمة حسب تحذيرات الأمم المتحدة.